الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥ - تصدير
أعتقد أنك قد فطنت إلى أن الإجابة الثانية هي المطلوبة لأنها وحدها المقياس الذي وضعه اليهود في يد المشركين و لأنها التي تثبت حقا أن الوحي ينزل من السماء لأن معرفة ما قاله اليهود للمشركين قد تكون أشق و أعسر من معرفة الحقيقة التاريخية من أمر أصحاب الكهف لأن المعرفة الأولى معرفة الخبايا و الأسرار و المعرفة الثانية معرفة الوقائع البشرية التي يسجّلها التاريخ و التي يتناقلها الرواة و الأفراد.
هذا الذي نقول به هو الذي يتّضح تماما من فن بناء هذه القصة في القرآن.
لما ذا ردّد القرآن الكريم عدد الفتية من أصحاب الكهف بين الثلاثة الرابعهم كلبهم و الخمسة السادسهم كلبهم و السبعة الثامنهم كلبهم؟لما ذا ردّد و لم يذكر العدد الحقيقي لكل هؤلاء؟
و لما ذا لم يذكر القرآن الكريم العدد الحقيقي للسنين؟لما ذا قال وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً [١] ثم أعقبه بقوله قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا [٢] .
لما ذا كل هذا؟
لا نستطيع أن نتصوّر أن هناك من يدّعي أن المولى سبحانه و تعالى كان يجهل العدد الحقيقي من أمر هؤلاء الفتية فاللّه يعلم السر و أخفى و اللّه يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور و حاشا للمولى سبحانه و تعالى ألا يتعلق بعلمه أمر ما في الأرض أو في السماء.
إن الترديد في العدد و إن التجهيل في أمر السنين لم يكن إلا لحكمة يريدها المولى و ليست الحكمة فيما نرى إلا أن ينزل القرآن بما قالته اليهود للمشركين و من هنا كانت أيضا هذه النصائح التي يذكرها في القصة القرآن الكريم.
لقد كانت إجابات اليهود عير موحّدة و من هنا كان ما ترى في القصة من تجهيل و ترديد. فن بناء القصة في القرآن يشعر بما نذهب إليه من أن صفة الحق في هذا
[١] سورة الكهف، الآية ٢٥.
[٢] نفس السورة، الآية ٢٦.
غ