الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٢ - تصدير
سعادة الأستاذ الكبير الدكتور عبد الحميد بدوي باشا.
تحدّثت إلي السيدة بنت الشاطئ طالبة أن أوضح لسعادتكم موقفي من هذه الآيات التي يصف فيها القرآن بأنه الحق مع ما أذهب إليه من قول بفنية القصة القرآنية. و لقد ذكرت لي السيدة آيتين كريمتين نطقتم بهما في معرض الحديث هما قوله تعالى: إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ . [١] و قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [٢] .
و أخبر سعادتكم أولا و قبل كل شيء أن هذه المسألة من المسائل التي التفت إليها المفسرون، و التفتوا إليها لأنها جاءت مع الأمثال في قوله تعالى إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ... [٣] إلخ.
و الأمثال لا يلزم أن تكون من الحقائق الثابتة فقد تكون من المتخيّلات و من الأساطير و الأوهام. و لقد أجاب هؤلاء عن هذه المسألة و كانت إجابتهم أن المثل يوصف بالحق لأنه شارح للحق و مبين له و لأنه مقرر للحق و مؤكد له.
و أستطيع أن أضع بين يدي سعادتكم هذا النص الذي يشرح به صاحب المنار الدور الذي يلعبه المثل في تقرير الحقيقة و الذي يفسر به صاحب المنار معنى الحق مع المثل. جاء في جـ ١ ص ٢٣٦ من تفسير المنار ما يلي «و المثل في اللغة الشبه و الشبيه، و ضربه عبارة عن إيقاعه و بيانه، و هو في الكلام أن يذكر لحال من الأحوال ما يناسبها و يشابهها، و يظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا، و لما كان المراد به بيان الأحوال كان قصة و حكاية. و اختير له لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير و هيج الانفعال كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، و ينتهي إلى أعماق نفسه، و لكن في الكلام قلبا حيث جعل المثل هو المضروب و إنما هو مضروب» . هذا ما قاله الأستاذ الإمام.
و جاء في ص ٢٣٧ من الجزء نفسه: «ثم ذكر تعالى أن الناس فريقان: فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا
[١] سورة آل عمران، الآية ٦٢.
[٢] سورة الكهف، الآية ١٣.
[٣] سورة البقرة، الآية ٢٦.