الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٨ - (١) القصة التاريخية
بما سيحدث يوم القيامة و إنما توبيخ النصارى الموجودين في زمن النبي و حضّهم على التخلي عما يتمسّكون به من عبادة عيسى عليه السلام.
إن المفسّرين لو مضوا في فهم المسألة على هذا الوجه لما وجدوا فيها شيئا يسبّب هذه المشكلة و يجعلهم يختلفون هذا الاختلاف. و لو فعلوا لما بقي عليهم إلا أن يعللوا لما ذا جاءت هذه المحاورة بالصيغة الدالة على الوقوع و هو الأمر اليسير ذلك لأن القرآن يريد أن يأخذ على هؤلاء الطرق و يسد عليهم المسالك و من هنا وضع المسألة موضع الأمر الواقع المفروغ منه حتى كأنه ليس محلا للشك فضلا عن الإنكار و ذلك مما يزعزع عقيدتهم و يخوّفهم من عذاب المنتقم الجبار. و إني لا أرى مانعا في أن تكون هذه المحاورة مشبهة للمحاورة السابقة التي دارت بين المستضعفين و المستكبرين و بين المستكبرين و الشيطان.
و إني لأعتقد أن مذهب القرآن في تصوير مشاهد القيامة أو ما يستبعد وقوعه من المصائب و العذاب يعتمد في الغالب على هذا الأسلوب أسلوب استعمال الصيغ الدالة على الوقوع ليقضي على ما في النفس العربية من شك أو إنكار و هذا هو الواضح من أمثال هذه الآيات اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ [١] أَتىََ أَمْرُ اَللََّهِ فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ [٢] .
و الذي نريد أن ننتهي إليه هنا هو أن القرآن و هو يعاجز معاجزة أدبية بلاغية كان في قصصه و ما إليه من وسائل التعبير الأدبي إنما يريد المعاني الثانية و أنه من هنا كان الأمر للمنطق الأدبي في صيغ الأفعال المحددة للزمان و أنه من هنا أيضا كان يخرج بها عن تلك الدلالة الزمنية التي هي المعاني الأولى إلى الصور الأدبية التي تستثير العاطفة و تهز الوجدان لذا لا نستطيع أن نحكم عليها بصدق عادي و لا بكذب عقلي. و معنى كل هذا أن أسلوب القرآن في عرض المواد القصصية الجزئية كان أسلوبا أدبيا يخضع لمنطق العاطفة و الوجدان.
على أن هذا هو الأسلوب البياني في التعبير فالأديب المتفنن يريد وصف رجل
[١] سورة القمر، الآية ١.
[٢] سورة النحل، الآية ١.