الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٧ - (١) القصة التاريخية
و واضح أن ابن الأثير يرى أن المنطق الذي يسير هذه الصيغ هو المنطق النفسي لا العقلي، هو المنطق البلاغي أي المنطق الأدبي أو الفني.
و لقد كان هذا الصنيع من القرآن محيرا للقدماء ذلك لأنهم مع وجود هذا الإيضاح البلاغي لم يفسروا هذه الظاهرة على أساس من المنطق الأدبي و إنما فسروها على أساس المنطق العقلي أو المنطق التاريخي، و من هنا وقعوا في المآزق و عانوا كثيرا من المشكلات. و من ذلك موقفهم من قصة عيسى في آخر سورة المائدة و هي قوله تعالى وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ قََالَ سُبْحََانَكَ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مََا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ*`مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مََا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمََّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ*`إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ [١] .
فقد وقفوا عند هذه المحاورة ليفسّروها على أساس الدلالة اللغوية و المعاني الأولى فجعلوها من المنطق التاريخي و من هنا أخذوا يسألون أنفسهم متى وقعت هذه المحاورة فذهب قوم إلى أنها كانت عند رفع عيسى عليه السلام إلى السماء و ذلك تمشّيا مع التعبير بصيغة الماضي و ذهب آخرون إلى أنها لم تقع بعد و إلى أنها ستكون يوم القيامة بدليل قوله تعالى هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [٢] إذ هو وصف ليوم القيامة و ذلك واضح في النيسابوري. و السبب في هذا أنهم فهموا من الآية المعاني الأولى كما يقول البلاغيون فجعلوها من المنطق العقلي و من هنا حاولوا معرفة الوقت الذي حدثت أو ستحدث فيه هذه المحاورة بين عيسى عليه السلام و الخالق سبحانه و تعالى و لو أنهم ذكروا وجه المسألة و قدّروا أن المراد منها المعاني الثانية و هي المعاني الأدبية أو الفنية لوضعوها على أساس من المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و بحثوا عن القصد الذي يرمي إليه القرآن و أنه ليس الإخبار
[١] سورة المائدة، الآيات ١١٦-١١٨.
[٢] نفس السورة، الآية ١١٩.