الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٢ - (١) القصة التاريخية
لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ [١] .
ثم انظر فسترى وحدة في التصميم و اتفاقا في البناء و التركيب و إن اختلفت مواد البناء في بعض الأحيان.
هذا المطلع في الثانية و ذاك المطلع في الأولى متفقان حتى في الألفاظ و التراكيب و حتى في الخروج من الإفراد في الرسل إلى الجمع فنحن نعلم أن عادا لم يكن لها من الرسل غير هود و كذلك الحال مع قوم لوط.
و هذه الخواتم في القصتين متفقة في الألفاظ و التراكيب.
و هذا الجو العاطفي الذي يسود القصتين من حرص على الهداية من الرسل ذلك الحرص الذي يدفعهم إلى الاستعانة ببعض الصفات التي ترقّق العاطفة و تذيب القلب من أنه أخوهم و من أنه الرسول الأمين الذي يبذل النصح لوجه اللّه و لا يسألهم أجرا و الذي لا يطلب منهم إلا أن يتقوا اللّه و يطيعوه. أما هم فحريصون على المخالفة لا يقبلون النصح و الإرشاد و يصرّون على موقفهم على ما فيه من فساد و ضلال. فقوم هود لن يستجيبوا و سواء عليهم أوعظ أم لم يكن من الواعظين و قوم لوط يطلبون إليه أن يكف عن وعظه و إلا كان من المخرجين.
و هكذا ترى أن الأساس الذي قام عليه بناء القصتين واحد و أن الروح التي تسود القصتين واحدة و إن اختلفت العناصر من أحداث و أشخاص و حوار في بعض الأحيان.
إن السر في هذه الوحدة هو أن القصد الذي يرمي إليه القرآن من القصتين واحد و هو ذلك الذي أشار إليه في أول السورة من حرص محمد عليه السلام على هداية قومه ثم من موقفهم منه ذلك الموقف الذي لخّصته السورة في الختام.
قال تعالى طسم*`تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ*`لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ*`إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ [٢] .
[١] سورة الشعراء، الآيات ١٦٠-١٧٥.
[٢] نفس السورة، الآيات ١-٤.