الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٠ - (١) القصة التاريخية
إن المقاصد التي يرمي إليها القرآن هي التي تملي الأسلوب و الطريقة و هي التي من أجلها يسلسل القرآن الأحداث و يربط بينها برباط من العاطفة و الوجدان.
و لقد كان الأستاذ الإمام رحمه اللّه سباقا إلى تقرير هذه القاعدة القصصية في ترتيب الأحداث. و هذه بعض النصوص التي توضح ذلك:
جاء في المنار ما يلي: قال الأستاذ الإمام: إن كثيرين من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص و يقولون هنا إن الاستقساء و ضرب الحجر كان قبل التيه و قبل الأمر بدخول تلك القرية فذكرها هنا بعد تلك الوقائع. و الجواب عن هذه الشبهة يفهم ما قلناه مرارا في قصص الأنبياء و الأمم الواردة في القرآن و هو أنه لم يقصد بها التاريخ و سرد الوقائع مرتّبة بحسب أزمنة وقوعها و إنما المراد بها الاعتبار و العظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها و بيان النقم بعللها لتتّقى من وجهتها. و متى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر علة الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير و أدعى إلى التأثير [١] .
و جاء فيه أيضا: قال الأستاذ الإمام: جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه و لم يلحق فيه فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين و لا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام و ترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة. و إنما ينسّق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب و يحرّك الفكر إلى النظر تحريكا و يهز النفس للاعتبار هزا و قد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم اللّه تعالى إياها و ضروب الكفران و الفسوق التي قابلوها بها و ما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات و ابتلائهم بالحسنات و السيئات و كيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة و يحدث لهم في أثر كل توبة نعمة ثم يعودون إلى بطرهم و ينقلبون إلى كفرهم [٢] .
و واضح من نصوص المنار أن الأستاذ الإمام يرى أن ترتيب الأحداث في القصص القرآني يرجع إلى اعتبار بلاغي خاص من أجله يقوم العرض على أساس عاطفي و إنه في
[١] المنار، جـ ١، ص ٣٣٧.
[٢] نفس المصدر، ص ٣٤٦.