الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٥٩ - (١) القصة التاريخية
جاء في النيسابوري ما يلي: «و للمفسّرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام و الرؤية أم غيره. الذاهبون إلى الأول قالوا إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية و قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً [١] فأخذتهم الصاعقة و هي المراد من الرجفة في هذه الآية. و الذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مرّ في البقرة في تفسير قوله وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسىََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [٢] . و قد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل و منهم من قال إنها كانت بعد القتل و احتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام و طلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة. فظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك و إلا انخرم التناسب» [٣] .
فالنيسابوري هنا يصوّر لنا الخلاف في الترتيب بين قصتين و يرى أن ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه غير تلك و هو يقول بهذا القول خشية انخرام التناسب و لو فطن النيسابوري إلى أن القرآن هو الذي قصد إلى هذا لما قام عنده و لا عند غيره من المفسّرين أمثال هذه المشكلات القصصية في القرآن.
إن ترتيب الأحداث في قصة البقرة قام على أساس تذكير اليهود أنفسهم بالنعم التي أنعم اللّه بها عليهم ليحببهم في النبي عليه السلام و يدفعهم إلى الدخول في الإسلام و من هنا لم يعن القرآن بتفصيل الأحداث و لا بما وقع من المصائب كالقمل و الضفادع و الدم و غيرها أما ترتيبها في قصة الأعراف فيقوم على أساس آخر لم يعن القرآن فيه باليهود ليعظهم و يذكّرهم و إنما عني بالأحداث نفسها ليلقي الرعب في قلوب المشركين من أهل مكة و يدفعهم إلى البعد عن التكذيب و الاستكبار و من هنا سرد الأحداث سردا تفصيليا و دل على ما كان ينزل بهم من العذاب و المصائب دلالة قوية و أظهر عطفه على موسى و اختياره له كما أظهر عطف موسى عليه السلام على قومه.
[١] سورة البقرة، الآية ٥٥.
[٢] نفس السورة و الآية.
[٣] النيسابوري، جـ ٩، ص ٥٣.
غ