شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٩٢ - (٢٣) تنبيه في بيان أن العارف لا يعنيه التجسس
الهمس الصوت الخفي- و حفيف الفرس دويه في جريه- و كذلك حفيف جناح الطائر و خلجه جذبه- و انتزعه و خلجه أيضا شغله و أزعجه فانزعج- أي أقلعه من مكانه فانقلع- و تاح له أي قدر و في رواية باح أي ظهر- يقال باح بسره أي أظهره- و المعنى أن للعارف أحوالا- لا يحتمل فيها الإحساس بشاغل يرد عليه من خارج- و لو كان ذلك الشيء أضعف مما يحس به فضلا عما فوقه- و تلك الأحوال تكون في أوقات توجهه بسره إلى الحق- إذا ظهر في تلك الأوقات حجاب قبل الوصول إلى الحق- أو قدر له حجاب إما من جهة نفسه- كما يرد عليها ما يزيل استعداده للوصول- أو من جهة حركة سره كما أن يتمايل في فكره- فيعرض له الالتفات إلى شيء غير الحق- و بالجملة لا يتم بسبب أحد المانعين وصوله بالحق- بل يبقى منتظرا متحيرا- فيغلب عليه بسبب ذلك السآمة- من كل وارد غير الحق- و الملالة عن كل شاغل عنه- فلا يحتمل شيئا مما وصفناه- أما عند الوصول و الانصراف فلا يكون كذلك- لأنه عند الوصول لا يخلو من أحد أمرين- أحدهما أن تكون القوة بحيث لا تقدر مع الاشتغال بالحق- على الالتفات إلى غيره- إما لقصورها أو لشدة الاشتغال- و حينئذ يكون مشغولا بالحق فقط- غافلا عن كل ما يرد عليه- فلا يحس بالشواغل الخارجية- و الثاني أن تكون القوة بحيث تفي بالأمرين معا- فلا تمل بالأمور الخارجية- لأنها لا تكون شاغلة إياه عن الحق- و أما عند الانصراف- فلأنه يكون حينئذ أهش الخلق ببهجته- فيتلقى ما يرد عليه مع انبساط و بشاشة
(٢٣) تنبيه [في بيان أن العارف لا يعنيه التجسس]
العارف لا يعنيه التجسس و التحسس- و لا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر- كما تعتريه الرحمة فإنه مستبصر بسر الله في القدر- و أما إذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح- لا بعنف معير- و إذا جسم المعروف فربما غار عليه من غير أهله
لا يعنيه أي لا يهمه- و في الحديث من طلب ما لا يعنيه فإنه ما يعنيه- و التجسس التفحص و تحسست من الشيء أي تخبرت خبره- و استهواه الشيطان و غيره أي استهامه- و عيره أي نسبه إلى العار و جسم أي عظم- و غار الرجل على أهله يغار غيرة- و معناه أن العارف لا يهتم بتجسس أحوال الناس- و ذلك لكونه مقبلا على شأنه