شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٣٠ - (٢٧) وهم و تنبيه في إزالة ما يوهم من قبح العقاب على ما يصدر على سبيل الوجوب
للنفس على خطيئتها- كما ستعلم هو كالمرض للبدن إلى قوله- و لا من وقوع ما يتبعها و هو ظاهر- و هذا النوع من العقاب إنما يكون للنفس الإنسانية- بسبب ملكاتها الرديئة الراسخة فيها- فكأنها تكون من داخل ذاتها- و هو نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة- لكن الآيات الواردة بالوعيد في الكتب الإلهية- لو أجريت على ظواهرها- لاقتضت القول بعقاب جسماني- وارد على بدن المسيء من خارج- على ما يوصف في التفاسير و الأخبار- فأشار الشيخ إلى ذلك أيضا بقوله- و أما العقاب الذي يكون على جهة أخرى- من مبدإ له من خارج فحديث آخر- أي إثباته على الوجه المشهور- لو كان حقا لكان سمعيا- ثم أراد أن يذكر أن ذلك أيضا- على تقدير تسليم كونه كما يفهمه أهل الظاهر- ليس مما لا يجوز وقوعه في الحكمة الإلهية- أي ليس بشر- فقال ثم إذا سلم معاقب من خارج- فإن ذلك أيضا يكون حسنا- و أراد بالحسن هاهنا الخير المقابل للشر- لا ما يذهب إليه المتكلمون على ما سيأتي- و استدل على ذلك- بأن وجود التخويف في مبادئ الأفعال الإنسانية حسن- لنفعه في أكثر الأشخاص- و الإيفاء بذلك التخويف بتعذيب المجرم- تأكيد للتخويف و مقتض لازدياد النفع- فهو أيضا حسن-
شرح الإشارات و التنبيهات ( مع المحاكمات )، ج٣، ص: ٣٣١
ثم بين أن هذا التعذيب- إنما يكون شرا بالقياس إلى الشخص المعذب- و يكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين من نوعه- و لا يلتفت لفت الجزئي لأجل الكلي- أي لا ينظر إليه- فهذا أيضا من جملة الخير الكثير- الذي يلزمه شر قليل- و استشهد بقطع العضو لصلاح البدن- فإن الحكم بوجوب ذلك- و إن كان مشتملا على شر ما مقبول عند الجمهور- و قد تبين من ذلك أن ما ورد به التنزيل- إذا حمل على ظاهره- لم يكن مخالفا للأصول الحكمية- و بعض المتكلمين المنكرين لتلك الأصول كالمعتزلة إنما يقررون ذلك على وجه آخر- و هو قولهم تكليف العباد واجب على الله تعالى أو حسن منه- إذ في ذلك صلاح حالهم العاجلة و الآجلة- و الوعد و الوعيد على الطاعة و المعصية حسنان- إذ فيهما تقريبهم إلى طاعته و تبعيدهم عن معصيته- و تعذيب العاصين عدل منه حسن- و الإخلال بإثابة المطيعين ظلم قبيح- إلى أمثال ذلك مما يبنونه على مقدمات مشهورة- مشتملة على تحسين بعض الأحكام- و تقبيح بعضها بحسب العقل- يعدونها من البديهيات-