شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٧١ - (٤) إشارة في إثبات النبوة و الشريعة
تنازع العقل و لا تزاحم السر حالة المشاهدة- فيخلص العقل إلى ذلك العالم- و يكون جميع ما تحته من الفروع و القوى- منخرطة معه في سلك التوجه إلى ذلك الجانب
(٤) إشارة [في إثبات النبوة و الشريعة]
لما لم يكن الإنسان- بحيث يستقل وحده بأمر نفسه- لا بمشاركة آخر من بني جنسه- و بمعاوضة و معارضة تجريان بينهما- يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم- لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير- و كان مما يتعسر إن أمكن- وجب أن يكون بين الناس معاملة و عدل- يحفظه شرع يفرضه شارع متميز- باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات- تدل على أنها من عند ربه- و وجب أن يكون للمحسن و المسيء جزاء- من عند القدير الخبير- فوجب معرفة المجازي و الشارع- و مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة- ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود- و كررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير- حتى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع- ثم زيد لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدنيا- الأجر الجزيل في الأخرى- ثم زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة- التي خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره- فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة و النعمة- تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ثم أقم و استقم
لما ذكر في الفصل المتقدم أن الزهد و العبادة- إنما يصدران (١٠٦) من غير العارف- لاكتساب الأجر و الثواب في الآخرة- أراد أن يشير إلى إثبات الأجر و الثواب المذكورين- فأثبت النبوة و الشريعة و ما يتعلق بهما- على طريقة الحكماء- لأنه متفرع عليهما و إثبات ذلك مبني على (١٠٧) قواعد- و تقريرها أن نقول الإنسان لا يستقل وحده بأمور معاشه- لأنه يحتاج إلى غذاء و لباس و مسكن و سلاح لنفسه- و لمن يعوله من أولاده الصغار و غيرهم- و كلها صناعية لا يمكن أن يرتبها صانع واحد- إلا في مدة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقدا إياها- أو يتعسر إن أمكن لكنها تتيسر لجماعة- يتعاونون و يتشاركون في تحصيلها- يفرغ كل واحد منهم لصاحبه عن بعض ذلك- فيتم بمعاوضة و هي أن يعمل كل واحد- مثل ما يعمله الآخر- و معاوضة و هي أن يعطي كل واحد صاحبه- من عمله بإزاء ما يأخذه منه من عمله- فإذن