شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٨٩ - (١٩) إشارة إجمالي إلى جميع مقامات العارفين
قد جمع الشيخ جميع مقامات العارفين في هذا الفصل- و أقول في تقريره أنه مشهور بين أهل الذوق- أن تكميل الناقصين يكون بشيئين تخلية و تحلية- كما أن مداواة المرضى يكون بشيئين تنقية و تقوية- الأول سلبي و الثاني إيجابي- و ربما يعبر عن التخلية بالتزكية- و لكل واحد منهما درجات- أما درجات التزكية فهي التي مر ذكرها- و قد رتبها الشيخ في هذا الفصل في أربع مراتب- تفريق و نقض و ترك و رفض- فالتفريق مبالغة الفرق و هو فصل بين شيئين- لا ترجيح لأحدهما على الآخر- و منه فرق الشعر- و النقض تحريك شيء لينفصل عنه أشياء- مستحقرة بالقياس إليه كالغبار عن الثوب- و الترك تخلية و انقطاع عن شيء- و الرفض ترك مع إهمال و عدم مبالاة- فالعرفان مبتدئ من تفريق بين ذات العارف- و بين جميع ما يشغله عن الحق بأعيانها- ثم نقض لآثار تلك الشواغل كالميل و الالتفات إليها عن ذاته- تكميلا لها بالتجرد عما سوى الحق و الاتصال به- ثم ترك لتوخي الكمال لأجل ذاته- ثم رفض لذاته بالكلية- فهذه درجات التزكية- و أما التحلية- و هي التي سيورد الشيخ ذكر درجاتها- في الفصل الذي يتلو هذا الفصل- فبيان درجاتها بالإجمال أن العارف إذا انقطع عن نفسه- و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته- المتعلقة بجميع المقدورات- و كل علم مستغرقا في علمه- الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات- و كل إرادة مستغرقة في إرادته- التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات- بل كل وجود و كل كمال وجود فهو صادر عنه- فائض من لدنه- صار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر- و سمعه الذي به يسمع و قدرته التي بها يفعل- و علمه الذي به يعلم و وجوده الذي به يوجد- (١٢١) فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله تعالى بالحقيقة- و هذا معنى قوله العرفان ممعن في جمع صفات- هو جمع صفات الحق للذات المويدة بالصدق- ثم إنه بعد ذلك يعاين كون هذه الصفات- و ما يجري مجراها- متكثرة بالقياس إلى الكثرة- متحدة