شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٨٥ - (١٧) إشارة إلى آخر درجات السلوك إلى الحق
لاستيفازه عن قراره- فإذا أطالت عليه الرياضة لم يستفزه غاشية- و هدي للتلبيس فيه
أقول علا و استعلى- بمعنى و السكينة الوقار و استوفز في قعدته- أي قعد قعودا منتصبا غير مطمئن- و استفزه الخوف و ما يشبهه أي استخفه- و التلبيس كالتدليس و هو كتمان العيب- و السبب فيما ذكره الشيخ أن الأمر العظيم إذا غافص الإنسان بغتة- فقد يستفزه لكون النفس غافلة عن هجومه- غير متأهبة له فينهزم عنه دفعة- أما إذا توالى و استمر ألف الإنسان به- و زال عنه الاستفزاز- لأن النفس قد تتأهب لتلقيه- إذ هي متوقعة لعوده- و العارف ينكر من نفسه الاستفزاز المذكور- لاستنكافه عن الترائي بالكمال- فلذلك يؤثر كتمان ما يرد عليه- و يستعمل التلبيس فيه
(١٢) إشارة [في أن الرياضة تبلغ العارف إلى حد يصير المخطوف مألوفا]
ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا- ينقلب له وقته سكينة- فيصير المخطوف مألوفا و الوميض شهابا بينا- و يحصل له معارفة مستقرة- كأنها صحبة مستمرة و يستمتع فيها ببهجته- فإذا انقلب عنها انقلب حيران أسفا
و في بعض النسخ بدل قوله ينقلب له وقته سكينة- ينقلب له وفده سكينة- يقال وفد فلان على الأمير إذا ورد رسولا إليه- فهو وافد و الجمع وفد- و الرواية الأولى أظهر و الخطف الاستلاب- و الشهاب شعلة نار ساطعة و شهابا بينا- أي واضحا و في بعض النسخ ثبتا أي ثابتا- و يحصل له معارفة مستقرة- أي مع الحق الأول أسفا أي متلهفا- و المعنى ظاهر
(١٣) إشارة [في أن العارف حد لا يرى عليه الابتهاج عند الذهاب]
و لعله إلى هذا الحد- يظهر عليه ما به فإذا تغلغل في هذه المعارفة- قل ظهوره عليه فكان و هو غائب حاضرا- و هو ظاعن مقيما
أقول تغلغل الماء في الشجر- أي تخللها و ظعن أي سار- و المعنى أنه قبل هذا المقام- كان بحيث يظهر عليه أثر الابتهاج عند الذهاب- و الأسف حالة الانقلاب فصار في هذا المقام- بحيث يقل ظهور ذلك عليه- فيراه جليسه حالة الاتصال بجناب الجلال حاضرا عنده مقيما معه- و هو بالحقيقة غائب عنه ظاعن إلى غيره
شرح الإشارات و التنبيهات ( مع المحاكمات )، ج٣، ص: ٣٨٦
(١٤) إشارة [إلى أن المعارفة المستقرة التي قد يحصل للعارف]
و لعله إلى هذا الحد- إنما يتيسر له هذه المعارفة أحيانا- ثم يتدرج إلى أن يكون له متى شاء
في بعض النسخ إنما يتسنى له أي ينفتح و يتسهل عليه- يقال سناه أي فتحه و سهله
(١٥) إشارة [في أن العارف يتقدم عن رتبة المشيئة]
ثم إنه ليتقدم هذه الرتبة- فلا يتوقف أمره إلى مشيئة- بل كلما لاحظ شيئا لاحظ غيره- و إن لم تكن ملاحظته لاعتبار- فيسنح له تعريج عن عالم الزور إلى عالم الحق مستقر به- و يحتف حوله الغافلون
يقال عرج عروجا أي ارتقى- و عرج عليه تعريجا أي أقام و عرج إليه- و انعرج أي مال و انعطف- فالتعريج هاهنا إما مبالغة في الارتقاء- و إما بمعنى الميل و الانعطاف- و حف و احتف حوله أي أطاف به و استدار حوله- و المعنى ظاهر
(١٦) إشارة [إلى أن العارف اذا نال صار سره مرآتا للحق]
فإذا عبر الرياضة إلى النيل- صار سره مرآة مجلوة- محاذيا بها شطر الحق- و درت عليه اللذات العلى و فرح بنفسه لما بها من أثر الحق- و كان له نظر إلى الحق و نظر إلى نفسه- و كان بعد مترددا
يقال در اللبن و غيره أي انصب و فاض- و معناه أن العارف إذا تمت رياضته- و استغنى عنها لوصوله إلى مطلوبه- الذي هو اتصاله بالحق دائما- صار سره الخالي عما سوى الحق كمرآة مجلوة بالرياضة- محاذيا بها شطر الحق بالإرادة- فيتمثل فيه أثر الحق و فاضت عليه اللذات الحقيقية- و ابتهج بنفسه لما ناله من أثر الحق- و كان له نظران نظر إلى الحق المبتهج به و نظر إلى ذاته المبتهجة بالحق- و كان بعد في مقام التردد بين الجانبين
(١٧) إشارة [إلى آخر درجات السلوك إلى الحق]
ثم إنه ليغيب عن نفسه- فيلحظ جناب القدس فقط- و إن لحظ نفسه فمن حيث