شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٩١ - (٢٢) تنبيه في بيان ما للعارف من الاحوال في أوقات توجهه بسره إلى الحق
عن أن يعبر عنها بعبارة- و كما أن المعقولات لا تدرك بالأوهام- و الموهومات لا تدرك بالخيالات- و المتخيلات لا تدرك بالحواس- كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين- فلا يمكن أن يدرك بعلم اليقين- فالواجب على من يريد ذلك- أن يجتهد في الوصول إليه بالعيان- دون أن يطلبه بالبرهان- فهذا بيان ما ذكره الشيخ و استثنى الخيال في قوله- و لا يكشف عنها المقال غير الخيال- كما سنبين في النمط العاشر- و هو أن العارفين إذا اشتغلت ذواتهم- بمشاهدة عالم القدس- فقد يتراءى في خيالاتهم أمور- تحاكي ما يشاهدونه محاكاة بعيدة جدا
(٢١) تنبيه [في أن مقام الرضا في العارف يستلزم الهشاشة العامة]
العارف هش بش بسام- يبجل الصغير (١٢٢) من تواضعه كما يبجل الكبير- و ينبسط من الخامل مثل ما ينبسط من النبيه- و كيف لا يهش و هو فرحان بالحق و بكل شيء- فإنه يرى فيه الحق و كيف لا يستوي- و الجميع عنده سواسية أهل الرحمة قد شغلوا بالباطل
أقول لما فرغ من ذكر درجات العارفين- شرع في بيان أخلاقهم و أحوالهم- يقال رجل هش بش أي طلق الوجه طيب- و بسام أي كثير التبسم- و النبيه المشهور و يقابله الخامل و سواسية على وزن ثمانية- أي أشباه و هي قريبة الاشتقاق من لفظة- سواء وزنه فعافلة- أو ما يشبهها- و ليست على قياس و معنى الفصل ظاهر- و هذان الوصفان- أعني الهشاشة العامة و تسوية الخلق في النظر- أثران لخلق واحد يسمى بالرضا- و هو خلق لا يبقى لصاحبه إنكار على شيء- و لا خوف من هجوم شيء و لا حزن على فوات شيء- و إليه أشار عز من قائل وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ- و منه تبين تأويل قولهم- خازن الجنة ملك اسمه رضوان
(٢٢) تنبيه [في بيان ما للعارف من الاحوال في أوقات توجهه بسره إلى الحق]
العارف له أحوال- لا يحتمل فيها الهمس من الحفيف- فضلا عن سائر الشواغل الخالجة- و هي في أوقات انزعاجه بسره إلى الحق- إذا تاح حجاب من نفسه أو من حركة سره- قبل الوصول- فأما عند الوصول فإما شغل له بالحق عن كل شيء- و إما سعة للجانبين بسعة القوة- و كذلك عند الانصراف في لباس الكرامة- فهو أهش خلق الله ببهجته