شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٩٩ - (٩) تنبيه في تمهيد اولى المقدمتين للقياس على جواز الاطلاع على الغيب
في ستة عشر فصلا بعده
(٨) إشارة [في جواز الاطلاع على الغيب بالتجربة و القياس]
التجربة و القياس متطابقان- على أن للنفس الإنسانية- أن تنال من الغيب نيلا ما في حالة المنام- فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حال اليقظة- إلا ما كان إلى زواله سبيل و لارتفاعه إمكان- أما التجربة فالتسامع و التعارف يشهدان به- و ليس أحد من الناس إلا و قد جرب ذلك في نفسه تجارب- ألهمته التصديق- اللهم إلا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوي التخيل و الذكر- و أما القياس فاستبصر فيه من تنبيهات
أقول يريد بيان المطلوب على وجه مقنع- فذكر أن الإنسان قد يطلع على الغيب حالة النوم- فاطلاعه عليه في غير تلك الحالة أيضا- ليس ببعيد و لا منه مانع- اللهم إلا مانعا يمكن أن يزول و يرتفع- كالاشتغال بالمحسوسات- أما اطلاعه على الغيب في النوم- فيدل عليه التجربة و القياس- و التجربة تثبت بأمرين- أحدهما باعتبار حصول الاطلاع المذكور للغير- و هو التسامع- و الثاني باعتبار حصوله للناظر نفسه و هو التعارف- و إنما جعل المانع عن الاطلاع النومي فساد المزاج- و قصور التخيل و التذكر- لتعلق ما يراه النائم في نفسه بالمتخيلة- و في حفظه و ذكره بالمتذكرة- و في كونه مطابقا للصور- المتمثلة في المبادئ المفارقة إلى زوال الموانع المزاجية- و أما القياس فعلى ما يجيء بيانه
(٩) تنبيه [في تمهيد اولى المقدمتين للقياس على جواز الاطلاع على الغيب]
قد علمت فيما سلف- أن الجزئيات منقوشة في العالم العقلي نقشا- على وجه كلي- ثم قد نبهت لأن الأجرام السماوية لها نفوس- ذوات إدراكات جزئية و إرادات جزئية- تصدر عن رأي جزئي- و لا مانع لها من تصور اللوازم الجزئية- لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها في العالم العنصري- ثم إن كان ما يلوحه ضرب من النظر- مستورا إلا على الراسخين في الحكمة المتعالية- أن لها بعد العقول المفارقة- التي هي لها كالمبادئ نفوسا ناطقة- غير منطبعة في موادها- بل لها معها علاقة ما كما لنفوسنا مع أبداننا- و أنها تنال بتلك العلاقة كمالا ما حقا- صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك- لتظاهر رأي جزئي و آخر كلي- فيجتمع لك مما نبهنا عليه- أن للجزئيات في العالم العقلي نقشا على هيئة كلية-