شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٨١ - (٨) إشارة في بيان احتياج المريد إلى الرياضة و بيان أغراضها
على الأخرى- تتبع الحيوانية فيها أحيانا هواها عاصية للعاقلة- ثم تندم فتلوم نفسها فتكون لوامة- و إنما سميت هذه القوى بالنفوس الأمارة- و اللوامة و المطمئنة ملاحظة لما جاء من ذكرها- بهذه السمات في التنزيل الإلهي- فإذن رياضة النفس نهيها عن هواها- و أمرها بطاعة مولاها- و لما كانت الأغراض العقلية مختلفة- كانت الرياضات مختلفة- منها الرياضات العقلية المذكورة في الحكمة العملية- و منها الرياضات السمعية المسماة بالعبادة الشرعية- و أدق أصنافها رياضة العارفين- لأنهم يريدون وجه الله تعالى لا غير- و كل ما سواه شاغل عنه- فرياضتهم منع النفس- عن الالتفات إلى ما سوى الحق الأول- و إجبارها على (١١٦) التوجه نحوه- ليصير الإقبال عليه و الانقطاع عما دونها ملكة لها- و ظاهر أن كل رياضة- هي داخلة في الحقيقة في هذه الرياضة و لا ينعكس- إلا أنها تختلف باختلاف مراتبهم في سلوكهم- تبتدئ من أجل أصنافها- و تنتهي عند أدقها- فهذا ما أقوله في الرياضة و أرجع إلى المقصود فأقول- الغرض الأقصى من الرياضة شيء واحد- هو نيل الكمال الحقيقي- إلا أن ذلك موقوف على حصول أمر وجودي- هو الاستعداد و حصول ذلك الأمر- مشروط بزوال الموانع- و الموانع إما خارجية و إما داخلية- فإذن الرياضة بهذا الاعتبار- موجهة نحو ثلاثة أغراض- أحدها تنحية ما دون الحق- عن مستن الإيثار و هو إزالة الموانع الخارجية- و الثاني تطويع النفس الأمارة للمطمئنة- لينجذب التخيل و التوهم- عن الجانب السفلي إلى الجانب القدسي- و يتبعها سائر القوى ضرورة- و هو إزالة الموانع الداخلية- أعني الدواعي الحيوانية المذكورة- و الثالث تلطيف السر للتنبه- و هو تحصيل الاستعداد لنيل الكمال- فإن مناسبة السر مع الشيء اللطيف- لا يمكن إلا بتلطيفه- و لطف السر عبارة عن تهيئه- لأن تتمثل فيه الصور العقلية بسرعة- و لأن ينفعل عن الأمور الإلهية- المهيجة للشوق و الوجد بسهولة- ثم إن الشيخ لما فرغ عن ذكر أغراض الرياضة- ذكر ما يعين على الوصول إلى كل واحد- من هذه الأغراض- أما الأول فقد ذكر مما يعين عليه شيئا واحدا- و هو الزهد الحقيقي المنسوب