شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٧٠ - (٣) تنبيه في تمييز ما للعارف من الزهد و العبادة
فأول درجات وجدانه هي المعرفة- فإذن أحوال طلاب الحق هي هذه الثلاثة- و لذلك ابتدأ الشيخ بتعريفها- ثم إن هذه الأحوال- قد توجد في الأشخاص على سبيل الانفراد- و قد توجد على سبيل الاجتماع- و ذلك بحسب اختلاف الأعراض- و الاجتماعات الثنائية تكون ثلاثة- و الثلاثية واحدا- و إلى ذلك أشار الشيخ بقوله- و قد يتركب بعض هذه مع بعض
(٣) تنبيه [في تمييز ما للعارف من الزهد و العبادة]
الزهد عند غير العارف معاملة ما- كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة- و عند العارف تنزه ما عما يشغل سره عن الحق- و تكبر على كل شيء غير الحق- و العبادة عند غير العارف معاملة ما كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة- هي الأجر و الثواب- و عند العارف رياضة ما لهممه أو قوى نفسه- المتوهمة و المتخيلة- ليجرها بالتعويد عن جناب الغرور- إلى جناب الحق- فتصير مسالمة للسر الباطن- حينما يستجلي الحق لا ينازعه- فيخلص السر إلى الشروق الساطع- و يصير ذلك ملكة (١٠٥) مستقرة- كلما شاء السر اطلع إلى نور الحق- غير مزاحم من الهمم- بل مع تشييع منها له- فيكون بكليته منخرطا في سلك القدس
لما أشار إلى وجود التركيب بين الأحوال الثلاثة- أراد أن ينبه على غرض العارف- و غير العارف من الزهد و العبادة- ليتمايز الفعلان بحسبه- فذكر أن الزهد و العبادة من غير العارف معاملتان- فإن الزاهد غير العارف- يجري مجرى تاجر يشتري متاعا بمتاع- و العابد غير العارف- يجري مجرى أجير- يعمل عملا لأخذ أجرة فالفعلان مختلفان- لكن الغرض واحد- و أما العارف فزهده في الحالة- التي يكون فيها متوجها إلى الحق- معرضا عما سواه تنزه عما يشغله عن الحق- إيثارا لما قصده- و في الحالة التي يكون فيها ملتفتا من الحق إلى ما سواه- تكبر على كل شيء غير الحق استحقارا لما دونه- و أما عبادته فارتياض لهممه- التي هي مبادئ إرادته- و عزماته الشهوانية و الغضبية و غيرهما- و لقوى نفسه الخيالية و الوهمية- ليجرها جميعا عن الميل إلى العالم الجسماني- و الاشتغال به إلى العالم العقلي- مشيعة إياه عند توجهه إلى ذلك العالم- و لتصير تلك القوى معودة لذلك التشييع- فلا