شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٦٢ - (١٩) تنبيه في إثبات ما أثبته لبعض الجواهر العاقلة من العشق و الشوق
قوله و بعد المرتبتين مرتبة العشاق المشتاقين- فهم من حيث هم عشاق- قد نالوا نيلا ما فهم ملتذون- و من حيث هم مشتاقون فقد يكون لأصناف منهم أذى ما- و لما كان الأذى من قبله كان أذى لذيذا- و قد تحاكى مثل هذا الأذى- من الأمور الحسية محاكاة بعيدة جدا- حال أذى الحكة و الدغدغة- فلربما خيل ذلك شيئا بعيدا منه- و مثل هذا الشوق مبدأ حركة ما- فإن كانت تلك الحركة مخلصة إلى النيل- بطل الطلب و حقت البهجة- و النفوس البشرية إذا نالت الغبطة العليا في حياتها الدنيا- كان أجل أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة- لا تخلص عن علاقة الشوق اللهم إلا في الحياة الأخرى
و هذه هي المرتبة الثالثة- و هي مرتبة النفوس الناطقة الفلكية- و الكاملة من الإنسانية ما دامت في الأبدان- و قد أثبت لهم العشق و الشوق معا- و بحسب الشوق الأذى- و ذكر أن الأذى لما كان من قبل المعشوق- كان أذى لذيذا و الأذى الذي يصل من المعشوق إلى العاشق- إنما يكون عنده لذيذا- لأنه يتصور وصول أثر المعشوق به إليه- و وصول الأثر أثر الوصول- و شبه هذا الأذى اللذيذ بأذى الحكة و الدغدغة- ثم ذكر أن ذلك تشبيه بعيد- و ذلك لوجهين أحدهما أن الأذى و اللذة في الدغدغة جسمانيان- و هاهنا عقليان- و الثاني أن الأذى و اللذة في الدغدغة- متباينان في الوجود و الحس لا يميز بينهما لتعاقبهما- فيتخيلهما معا و هاهنا متحدان و الباقي ظاهر قوله و يتلو هذه النفوس نفوس أخرى بشرية- مترددة بين جهتي الربوبية و السفالة على درجاتها- ثم يتلوها النفوس المغموسة- في عالم الطبيعة المنحوسة- التي لا مفاصل لرقابها المنكوسة
و هاتان المرتبتان هما الباقيتان- و هما مرتبتا النفوس الناطقة المتوسطة و الناقصة- و الشوق في المرتبة الأخيرة- هو سبب تأذيها في المعاد على ما مر- و ألفاظه ظاهرة
(١٩) تنبيه [في إثبات ما أثبته لبعض الجواهر العاقلة من العشق و الشوق]
فإذا نظرت في الأمور و تأملتها- وجدت لكل شيء من الأشياء الجسمانية كمالا