شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٤٣ - (٤) تذنيب في معنى الملك و أنه الغني
إن قوما من المتكلمين- يعللون أفعال الباري تعالى بالحسن و الأولوية- فيقولون إن إيصال النفع إلى الغير حسن في نفسه- و فعله أولى من تركه فلأجل ذلك خلق الله تعالى الخلق- و الشيخ أراد أن ينبه على أن هذا الحكم في حق الله- مقتضي لإسناد نقصان إليه- و تقريره أن الشيء الذي يحسن به أن يفعل فعلا- و يكون أن يفعل أحسن به من أن لا يفعل- فإنه إن فعل كان ما هو أحسن به في نفسه حاصلا- و كان ما هو أحسن به من شيء آخر أيضا حاصلا- و هما صفتان له- إحداهما مطلقة و الأخرى كمالية إضافية إلى شيء آخر- و إن لم يفعل لم يكن ما هو أحسن به ما لا هو أحسن من شيء آخر- و يظهر من ذلك أن هاتين الصفتين- قد يستفيدهما ذلك الشيء من فعله و فعله غيره- فإذن هو في ذاته مسلوب كمال- مفتقر إلى غيره في كسب الكمال
(٣) تنبيه [في سبب الغاية عن فعل الحق الأول]
فما أقبح ما يقال من أن الأمور العالية- يحاول أن يفعل شيئا لما تحتها- لأن ذلك أحسن بها و لتكون فعالة للجميل- فإن ذلك من المحاسن و الأمور اللائقة بالأشياء الشريفة- و أن الأول الحق يفعل شيئا لأجل شيء و أن لفعله لمية
هذا تصريح بالمقصود الذي أومأنا إليه في الفصل المتقدم- و هو كنتيجة لما قبله و مراده واضح- و قد جعل الحكم عاما متناولا لجميع العلل العالية- التي هي تامة إما
شرح الإشارات و التنبيهات ( مع المحاكمات )، ج٣، ص: ١٤٤
بذواتها بعللها مع إبداعها- و إنما سلب الغاية عن فعل الحق الأول جل جلاله مطلقا- لأن الفاعل الذي يفعل لغاية فهو غير تام لوجهين- أحدهما من حيث يقصد وجود تلك الغاية- فإن ذلك يقتضي كونه مستكملا بذلك الوجود- و الثاني من حيث يتم فاعليته بماهية تلك الغاية- فإن ذلك يقتضي كونه من حيث ذاته ناقصا في فاعليته- و الحق الأول لما كان تاما بذاته واحدا لا كثرة فيه- و لا شيء قبله و لا معه فإذن لا غاية لفعله- بل هو بذاته فاعل و غاية للوجود كله
(٤) تذنيب [في معنى الملك و أنه الغني]
أ تعرف ما الملك الملك الحق- هو الغني الحق مطلقا- و لا يستغني عنه شيء في شيء و له ذات كل شيء- لأن كل شيء منه أو مما منه ذاته- فكل شيء غيره فهو له مملوك و ليس له إلى شيء فقر
سياق الكلام يقتضي أن يوسم هذا الفصل بالتنبيه- و الذي قبله بالتذنيب- و لا شك في أن التقديم و التأخير سهو وقع من الناسخين- و هذا الفصل مشتمل على تعريف معنى الملك- و قد اعتبر فيه ثلاثة أشياء- أحدها كونه غنيا مطلقا و هو سلبي- و الثاني افتقار كل شيء (٥) في كل شيء إليه و هو إضافي-