الحاكمية بين النص و الديمقراطية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٧ - التمييز بين الأعراف الصالحة والفاسدة ومحورية العدل لا محورية العرف
إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً» [١].
وفي هذين الحديثين الشريفين إشارة واضحة إلى أن العرف وما يتعارف بين الناس ليس هو المدار والميزان بقول مطلق للمعروف، كما أنّ الرضا العام والسخط العمومي ليس مؤثّر دائم على المعروف أو المنكر، بل كم من عرف يتكوّن ويبنى على منهج فاسد ومسار شرّ لا خير فيه، فتنشأ أعراف فاسدة غير صالحة ولكنّها تقمّص بلبوس صالح. وكم من أمر يحظره العرف وينكره وهو أمر حسن وصالح وخير، إلّاأنّه وشح بين الناس بلباس الشر والسوء. والسبب في ذلك يعود إلى أمور عديدة وكثيرة.
منها ما مرّ من غلبة الغرائز والنزوات والميول الطبعيّة السفليّة بنحو مفرط غير متوازن مع القوى العالية في الروح والنفس.
ومنها: إبهام ماهيات الأفعال مما يوجب ترامي إدراك حكمها بعيداً عن الأحكام البديهيّة وهو يتطلّب استنتاجات عديدة حتّى تنكشف حقيقة حكم الفعل لدى العقل.
وفي الرواية إشارة إلى أنّ مراتب بناء العرف تنطلق في البداية من الرؤى الفكريّة والثقافة المعرفيّة لدى المجتمع وما يسمّى بالقيم، ثم يأخذ صعيداً آخر وهو دعوة المجتمع فيما بينه إلى السير على تلك الرؤى. وإنّ هنا كصعيد ثالث خطير يستهان به وهو بروز أفعال سيّئة تبدأ في الانتشار في الظاهرة الاجتماعيّة تخالف الأعراف الحسنة. وهذه الظواهر الجديدة السيئة تلحّ على العقل الاجتماعي بالتنظير لها وتبرير رؤى تحسّنها وتعرفنها وترسم الذريعة لاستحسانها وتتراكم الرؤى وتتمازج وتتداخل، لا سيما مع ترامي حلقات الأفعال والامور فتصعب الرؤية وتتعقّد وتبهم. كما هو الحال في العصر الحاضر
[١] الكافي: ٥: ٥٩.