الحاكمية بين النص و الديمقراطية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩١ - النظرة الشمولية في موازنة العدالة ليست ازدواجيّة
قصير النظر وفاتر البال لا يدرك وجه الحكمة في الموازنة والعدل إذا تكثّرت الجهات وتعدّدت الحيثيات وتفصّلت للأدوار كلّ بحسبه فلابدّ من التفرقة بين مسار تقوية الباطل وبين قاعدة الاستفادة النزيهة من قوّة الباطل في طريق الحق.
هذا مضافاً إلى اختلاف وتفاوت درجات الصلاح والصواب وخيريّة أمور الخير، وكذلك العكس في جانب الفساد والشرّ والطالح، والتفرقة بين تلك الدرجات أمر بالغ الأهمّية في تدبير الحاكم ونظام الحاكم. فلاحظ ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في التفرقة بين أهل صفّين والنهروان حيث أوصى بعدم قتال الخوارج بعده معلّلًا ذلك بقوله عليه السلام:
«فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ
- أيالخوارج-،
كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ
» [١] أي معاوية وأهل الشام، فكون هاتين الفئتين في ضلال لا يعني عدم التمييز فيما بينهما، إذ العدل يقتضي التمييز.
ومن درجات التفاوت اختلاف الضلال العقائدي عن الفساد الأخلاقي وخطورة الفساد الأخلاقي بالنسبة إلى القبائح في الأعمال. وكذلك الحال في مسؤولية الحاكم في النظام السياسي سواء من جهة البناء الثقافي ومسؤولياته والبناء الأخلاقي وتداعياته، وبين ظاهرة الأعمال وجزائيّاته.
ثم إن من الامور الهامّة في هذه القاعدة هو الميز بين مقام التنظير ومقام التنفيذ وبرنامجه، فإنّ في مقام التنفيذ يشتمل على جهات عديدة وتكثّر الامور واختلاف حيثيّاته السلبيّة والإيجابيّة، وربما يصل الأمر إلى استدعاء الموازنة بين الجهات المختلفة واختلاف العلاج بين مورد وآخر، نظراً لاختلاف اللوازم الناجمة من الأشياء بحسب البيئات المختلفة مضافاً إلى لزوم معرفة وتعيين الأولويّة في جهات الامور، وفي دفع المفاسد واجتلاب المصالح.
[١] نهج البلاغة: الخطبة ٦١.