الحاكمية بين النص و الديمقراطية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٧ - النظرة الشمولية في موازنة العدالة ليست ازدواجيّة
على الخطأ أو الانحراف أو الضلال لا يبرّر بخس الجهة الصحيحة والإيجابيّة فيه.
ونظيره يستفاد من قوله تعالى أيضاً: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [١] فكلّ ذرّة لها ميزان وقيمة لا تختلط مع الذرّة الاخرى وميزانها وقيمتها. فالتفكيك والميز في المحاسبة العادلة يجب أن يدقّق فيها إلى مثل الذرّة، فضلًا عمّا فوقها، وهذه المحاسبة بهذه الدقّة وإن كان لا يقوى عليها إلّا ربّ العالمين ومالك يوم الدين ومن يوصي إليه من خلفائه.
ولأنّ هذه المحاسبة تدقّ ويختلف التعامل بين الجهات في الشيء الواحد يظنّ من لا معرفة له بهذه الحقائق أنّ التعامل الإيجابي مع الجهات الإيجابيّة هو تصحيح وإمضاء للجهات السلبيّة في ذلك الشيء، وكذلك العكس إذا كان التعامل سلبياً مع الجهات السلبيّة فيظن من لا بصيرة له في الامور أن لا جهة إيجابيّة في ذلك الشيء.
وفي غالب إدراك البشر يصعب عليهم التفكيك والموازنة. فمثلًا قوله تعالى:
(وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ... وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ) [٢].
ففي هذا المثال ملحمة مهمّة في الغاية، حيث إنّ الرحم يبالغ التشريع الإسلامي في رعاية حرمتها لا سيما في الوالدين لكن ذلك لا يعني تبعيّة الوالدين في ضلالهما وخطأهما، كما أنّ تخطئتهما في ضلالهما لا يعني هدر حرمة ابوّتهما والرحم معهما. فالموازنة بين الجانبين لابدّ منها والإفراط في أحد الجانبين يستلزم التفريط في الجانب الآخر. وللحذر من ذلك لابدّ من ترسيم الحدود بين
[١] الزلزلة ٩٩: ٧ و ٨.
[٢] لقمان ٣١: ١٤ و ١٥.