التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٤ - ألف الحب
ألف: الحب
أعظم تطلّع عند النفس تجاوزها، وقد فطرت النفس البشرية على أن رسالتها الأولى تتمثل في التكامل بها إلى حيث نفي ذاتها جزئياً أو حتى كلياً (الإيثار .. التضحية) لمصلحة ذات آخر.
وهذا مصدر حبّ الله سبحانه، والانجذاب إلى جماله وكماله، والبحث عن أيّة وسيلة للتقرب إليه زلفى. وتجتمع في الحب القيم التي ركزت عليها سائر المذاهب وبعبارات مختلفة، ونحن نشير إليها تباعاً.
فمن الحب الاحسان إلى الآخرين (الاديان السماوية)، والبّر بالآباء (كونفوشيوس)، والزهد والتبسيط (الطاوية)، وتربية الذات على الطهارة والتنسّك والعدل (فيثاغور)، وحب الله وحب الغير (المسيحية). ولعل هدف المذاهب الصوفية كان في البدء تعميق هذا الأصل في روح الإنسان، ولكنهم شطوا فيه إلى الحالة العدمية؛ فمثلًا تبدو الأخلاقية (عند البوذية) وسيلة تقنية مهمّتها تدمير الذات لكل ميل متمركز حول الفرد، وكل تطلع إلى امتلاك حياة شخصية حتى يصل المرء إلى (النيرفان) أو (العدل المحض- الوجود الأعلى) [١].
كما تفيض من هذه القيمة العيش من أجل الآخرين. (يقول كونت: الحب مبدأ، والنظام أساساً، والتقدم هدفاً)، ولذة الصداقة (أبيقور)، واللذة الأسمى الاخلاص للآخرين (النفعيّة)، وإشراك الآخرين في الخير (أخلاقيات أميركا)، وفاعلية العطاء وتجاوز الذات (برغسون)، والعمل المفيد للفرد وللمجتمع وللكون (وليم جيمس).
وجاء في الحديث الشريف:" وهل الدين إلا الحب".
وقال الله تعالى: قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [٢].
وقال سبحانه: يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [٣].
وقال: وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ [٤].
[١] ١- المذاهب الأخلاقية الكبرى، ص ٦٩.
[٢] ٢- آل عمران/ ٣١.
[٣] ٣- المائدة/ ٥٤.
[٤] ٤- البقرة/ ١٦٥.