التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٩ - ٤/ مذهب المنفعة
وكانت هذه نظرة الكثير من الفلاسفة (أمثال" هوتشسون" و" هلفسيوس" و" ديدرو" و" بكاريا" و" نبتهام") ولكن الذي طورّه أكثر فأكثر كان" ستيوارت ميل" وذلك حوالي عام- ١٨٥٠ فاستكمل هذا الوحي وقام بتنهيجه، كما يلي:
" لا يكفي أن نأخذ بعين الاعتبار (على غرار" بنتهام" مثلًا) شدة اللذات، وقرب منالها، وسعتها. فهذه جميعاً مفاهيم كمية فحسب، ولكن يجب النظر أيضاً إلى صفتها، ذلك أن هناك سُلَّماً تسلسلياً للذات (برهن على صحته موافقة" الرجال المختصين"- كالقديس أوغسطين- الذين خبروا جميع اللذات بشكل متوال). وهذا مما يجعل بعض اللذات أدقّ صفاء وأرقى تشذيباً من بعضها الآخر، وبالتالي أكثر" خصباً" منها .. فهي منابع لا تنضب لِلَذّات جديدة علينا وعلى أولئك الذين يحيطون بنا، ونجد على رأس هذه اللّذات" العليا" التي تسمو كل السمو على لذات الجسد، نجد لذات القلب كالاخلاص والغيرية، تلك التي لا ينقطع لها معين، وتفيض بمتع جديدة أبداً، تمنحها للمعطي وللمتلقي على حدّ سواء (لأنها تخلق ذلك التلذذ القائم على العرفان بالجميل). وفي الواقع فان المجتمع الذي تسوده" قاعدة يسوع الناصري الذهبية"؛ أي التالية: أحبوا بعضكم بعضاً، هو أصلح المجتمعات بالنسبة للفرد وللمجموعة معاً. ولهذا فان" ميل" يزهو بأن" أخلاقه" نافعة من جميع الأوجه؛ فهي تبين للمرء ما هي لذته الحقيقية، وتدفعه لأن يولد في الآخرين عن طريق تصرفه قناعة خيرة مماثلة، وتفتح الطريق لقيام مجتمع تتوفّرله السعادة الكاملة، وتتحالف المصلحتان الشخصية والعامة فيه بحيث يشدهما رباط لا سبيل إلى حلّه [١].
ونقد المدرسة النفعيّة يأتي:
أولًا: بأنه يوسع آفاق كلمات اللذة والمنفعة حتى تشمل معنى السعادة، والتي لا يختلف في أنها هدف الإنسان. ولكن السؤال الهامّ كان ابداً ما هي السعادة (أو قل حسب تعبير مل: ما هي اللذة أو المنفعة)؟
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٩٤.