التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - ٢/ موجز تاريخي عن المذاهب الطبيعية
والأخلاق من اختصاص الفلسفة، وإنما يقوم العلم بدور هامّ في بلورتها. فاذا قررت فلسفة الأخلاق ضرورة التجانس والتناغم في المجتمع، فان علم المجتمع يأتي ويبيّن أبعاد هذا التجانس وآفاقه؛ مثلًا يقول لنا- حسب التجارب- أن أفضل التجانس هو التجانس بين أفراد الطبقة دون إلغاء الطبقة مثلًا، بينما يأتي علم الرياضيات ليبيّن كيف يتمّ التجانس على أرض الواقع بالأرقام .. (توماس مور).
وإذا اعتمدت الفلسفة الأخلاقية مبدأ تدخل الدولة، فان آلية هذا التدخل تكون من اختصاص العلم بالاستفادة من الدوافع والمنفرات. أو بتعبير آخر؛ الترغيب والترهيب (هوبز) وكذلك حين تعتمد فلسفة الأخلاق مبدأ الضرر والمنفعة (على أساس القيم المادية)، فان آراء (متشنيكوف) تنفع في هذا الحقل، لمعرفة ردود كل فعل من المنافع، لتقييم النتائج على أساسه، وهكذا يتدخل علم الطب في حقل الأخلاق.
٢/ موجز تاريخي عن المذاهب الطبيعية
يعتمد هذا المذهب على العلم، لانتزاع أخلاقية مناسبة لتطوره ..
وأول من ادعى ذلك كان أبيقور الذي طمح أن يكون حكيماً" عالماً" وينشئ فلسفة أخلاقية قائمة على العلم، إلا أن الفترة الكبرى لانتشار النظريات الطبيعية، تقع بشكل خاص في مطلع القرن الثاني عشر، ثم تمتد إلى أيامنا هذه، وكان الشكل الذي اتخذته في البدأ نفسانياً (سيكولوجيا) مع" بايل" و" هيوم" و" هلفسيوس" والخ .. ثم فيما بعد مع" جون ستيوارت ميل" أو" فورييه" .. واستندت بصورة أعم أيضاً على علم الاحياء" البيولوجيا" (فأخذت بذلك من جديد بوجهة نظر الرواقية القديمة التي كانت تشكل من إحدى زوايا النظر،" أخلاق أطباء" ترتكز على المعرفة الفيزيولوجية لذلك العصر) فكان ذلك مع" دولباك"Dholbach في أواسط القرن الثامن عشر، ثم لدى أطباء حقبة أعوام فجر التاسع عشر أمثال" كابانيس"Cabanis و" ديستوت دي تراسي" .. وانتشرت أخيراً، لاسيّما، في فترة الشعبية الكبرى للنظريات التطورية (حوالي ١٨٨٠) [١].
ومنذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم، يتقلّب هذا المذهب بين أحضان مختلف الحقول العلمية، فمع بايل وهيوم وهلفسيوس، ثم ستيوارت ميل وفورييه، ينمو في حضن علم النفس.
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٢٦.