التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - ١/ علاقة العلم بالأخلاق
أولًا: العلم يتكامل .. وما هواليوم صحيح عند صاحبه بكل غرور، يصبح- غداً- باطلًا بكل تأكيد؛ فكيف نربط عجلة الأخلاق به، وهو لا يجرّ حمله [١]؟
ثانياً: العلم يعطي القوة للانسان، والمفروض أن نلجأ إلى الأخلاق لضبطه؛ فإذا ربطناها به، فان ذلك يكون بمثابة الغاء دور الأخلاق تماماً. وحسب برغسون في كتابه (الينبوعين): إن الخطر الأكبر في العلم في كون الوسائل المادية (التي يوفّرها العلم لنا) غير مصحوب بالضرورة ب- (تمدّد) للروح الإنسانية متناظر (ومساو) مع ذلك التضخّم [٢].
ثالثاً: العلم يبشر بأخلاق لا الزامية، وهو خلاف ما نتوقعه من الأخلاق. فالهدف من الأخلاق الالزام، وواضح أن العلم لا يمكنه أن يعطينا إياه، فإن" الأساتذة الفرنسيين" عبر حقبة ١٨٨٠ ظنّوا أن من الممكن إلغاء فرضية الإله التي قدّم بها العهد، وبناء أخلاق علمانية تطرح على الناس" نمطاً انموذجياً" لإنسان عقلاني بصورة تامة ومتناسق، واعتقدوا أن مزيّته القائمة على كونه مثلًا ستصبح ذات تأثير .. غير أن خطأهم كان مزدوجاً: أولًا: إذ ليس هناك أيّة صلة بين العلم والالتزام .. وثانياً: لأنه لا يوجد" ماهيّة للانسان" في مجموعة من الخواص المثالية، علماً بأنه لا يكون الإنسان إنساناً حقاً إلا إذا تمّ تحققها فيه على وجه الأرض [٣].
بلى من فوائد العلم أمران:
أولًا: إنه يكشف الحقائق بوضوح أكبر- خصوصاً في علم النفس والاجتماع. ومن حق الأخلاق أن تستفيد من هذه الحقائق، حيث يبيّن العلم موضوعة علم الأخلاق.
ثانياً: إن من شأن التقدم العلمي أن يخفف من مصاعب وآلام الناس؟.
ثم إن العلم- أنّى كان حقله- يكشف المتغيّرات في الحياة، والتي تختلف حسب الظروف وحسب مفردات الحقائق، كما وحسب الزمان. بينما الفلسفة- أنّى كان حقلها ومنها الحقل الأخلاقي عموماً- تتناول الجانب الثابت في الحياة. واما القيم فهي نمطان، قيم تتصل بالمتغيرات فتعتمد على العلم، وقيم تتّصل بالثوابت فتعتمد على الفلسفة (العقل). ومن هنا فان خلط موضوعات الفلسفة بموضوعات العلم يفسد العلم والفلسفة معاً.
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٢٩.
[٢] - المصدر، ص ٢٧- ٢٨.
[٣] - المصدر، ص ٣٠.