التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - بين الإجماع والشورى
خامساً: إن هناك نزعة عند البشر لخلط التراث بالدين، وليس الدين كالتراث. فالدين مقدس لا ريب فيه، والتراث غير مقدس، ويمكن نقده. ومن هنا فإن الله قد أمرنا بالاستغفار للآباء وللسابقين إلى الإيمان، لأنهم كانوا معرضين للخطأ، بل للخطيئة أيضاً؛ فلا يمنعنا العطف عليهم من تصحيح أخطائهم المحتملة.
سادساً: إن هناك من يدفعه تعظيم السابقين إلى خشية مخالفتهم، وهذا يجعله مقلداً لهم من حيث لا يدري، فلا يسمح لنفسه حتى بالتفكير في غير ما رأوا. وهذا خطأ، لأن الحق أعظم من الأشخاص.
سابعاً: لو علمنا أن منهج السابقين في استنباط الأحكام خطأ، فإن آراءهم المستندة إليه لا تنفع كثيراً. كما أنه لو علمنا أن السابقين اعتمدوا على دليل موجود فعلًا بين أيدينا، كان علينا النظر إليه لا إلى آرائهم.
ثامناً: إن العلماء السابقين يتميزون عن اللاحقين بقربهم الزمني من مصادر الحكم، بينما يتميز اللاحقون بدقة نظرهم وتراكم خبرات الماضين عندهم، فلا يمكن الاستغناء عن كلا الفريقين.
بين الإجماع والشورى
أشرنا أن للإجماع أفقين، فقد يكون في الأحكام الثابتة، وقد يكون في القضايا المتغيرة، فما هي علاقة الإجماع في هذا الأفق بالشورى التي هي أيضاً في المتغيرات؟
العلاقة هي: إن الإجماع يعني نتيجة المشورة فإذا عزم أكثر القوم على أمر كان على البقية الانصياع، ولكن السؤال: كيف فسرنا الإجماع بعزم الأكثرية؟ الجواب إن أصل معنى الإجماع العزم كما قال ربنا سبحانه: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (يوسف/ ١٥)
وقال المحقق الحلي: إن الإجماع مأخوذ من قولهم أجمع على كذا إذا عزم عليه [١].
[١] - فرائد الأصول، ص ٥٧.