التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٢ - الإيمان بالحق صرح القيم
إنه يعني؛ أن أحدّد موقعي منها باعتبارها قائمة وثابتة، ولها امتدادها وأثرها عليّ. فاذا آمنت بوجود الشمس فاني أعترف بأنها تشرق عليّ، وأنها تؤثر فيّ، وانها ذات أنظمة تسير بها، وأنا شخصياً أتفاعل مع تلك الأنظمة (مثل قربها في الصيف وبعدها في الشتاء، وفائدة أشعتها حيناً وضررها حيناً آخر، وهكذا ..).
إن هذا الاعتراف يعتبر بذرة الحق في أرض القانون التي تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة باسقة، فللشمس عليّ حق، يتمثل في التكيف مع وجودها- مثلًا- اتعرض لأشعّتها عندما أنتفع بها، والابتعاد عنها عند التضرر بها.
وكما الشمس يفرض الاعتراف بها عليّ حقاً، كذلك الأرض وما فيها. فكل شيء موجود فوق هذا الكوكب يعتبر ذا حق، لأننا نعترف به، وبأنه موجود ووجوده حق، فعلينا أن نتكيف مع هذا الموجود. مثلًا؛ الغابة موجودة وحقها الاعتراف بها، فقد نسخرها لمصلحتنا، وهذا حقها علينا، وقد نحافظ عليها وهذا ايضاً حقها علينا، لأن اعترافنا بها، يستدعي التكيف معها بصورة أو بأخرى.
وهكذا تصبح المحافظة على البيئة الكونية أحد أبعاد هذه الفلسفة، التي تشمل- بالطبع- البشر باعتباره الكائن الأقرب إلينا. فكل إنسان اعترف بوجوده فإني أعترف بحقه، فهو قائم يشغل حيزاً من الأرض (حق الاقامة) وتستمر حياته بالرزق، المأوى، والصحة (الحقوق الطبيعية)، وهو عاقل- كما أنا- فهو يتطلعّ إلى المعرفة (حق العلم) وإلى التكامل المعنوي (فلا يجوز التعرض لشخصيته وعرضه).
وهكذا تأتي شرعية الحقوق- حسب هذه الفلسفة- ليس من منفعة الشيء للذات (أنا مثلًا)- ولكن من الاعتراف بوجوده كشيء موضوعي قائم بذاته.
على أن الاعتراف بالحقائق انفع للبشر من الاصطدام معها، وبالتالي ينتهي الايمان إلى خير الذات أيضاً.
وما دامت الحقوق معترف بها، فلا بدّ من تنظيمها؛ ليس لضرب بعضها ببعض، وإنما بهدف الوفاء بها جميعاً. وهذا التنظيم هو خاصة القانون، وذلك الوفاء هدفه. وهكذا نفرّق بين خاصة القانون وهدفه.