التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٩ - د/ المصلحة المشتركة
ويتصل تسخير الطبيعة (التقدم) بالجانب الاجتماعي من حياة البشر. فمنذ أن كان ثمة علاقة بين انسان وآخر، كان أحد أهم الروابط بينهما المصلحة المشتركة. ولكن المصلحة المشتركة قد لا تكون في تسخير الطبيعة، بل في توفير الأمن أو الحرية أو أي شيء آخر. من هنا أفرد بعضهم لها عنواناً مستقلًا واعتبروها قيمة بالرغم من تداخلها مع قيمة (التقدم) تسخير الطبيعة.
د/ المصلحة المشتركة
وقد اعتبر البعض المصلحة العامة القيمة الأسمى، التي تجمع المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية، وبالتالي اعتبر أفضل حلّ لمعضلة (الفرد أولًا، أو المجتمع أولًا).
وقد كانت فكرة الخير موجودة منذ عصر أقدم الفلاسفة، حيث أشار إليها (ارسطو)، واعتبرها العلة الغائية للحياة، وأشاد بها القديس (توما الاكويني)، وهي قريبة من المذهب التاريخي، بل والمذهب الطبيعي، بالرغم من عدم استثمارها من قبل رجال القانون بصورة كافية [١].
ولا ريب أن القرآن الكريم الذي يعتبر المصدر الوحيد للتشريع (بالاضافة إلى تفسيره من قبل السنّة الشريفة) قد ذكر بالخير، قال الله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [٢].
ولكي تتوضحأكثر فأكثر المصلحة العامة، وتتبلور رؤيتنا تجاهها ينبغي أن ندرسها عبر نقاط:
أولا: الحق بين الموضوعية والذاتية.
هل الحق حق لأنه حق عند الله سبحانه، وفي سنن الله التي قدرها في خلقه ويجريها بقوته وقدرته سبحانه، أم أن الحق حق لأن الناس يعتبرونه حقاً أو لأن ارادة المشرع (القانون) يعتبره كذلك؟
في بحوث سبقت قلنا إن الحق ظاهرة موضوعية، ولا تتصل بالذات البشرية. من هنا لا فرق بين أن نقول أن السماء والأرض والجبال والأحياء حق، وبين أن نقول ان حاجة الإنسان إلى الطعام والسكن والجنس والحرية حق. وهكذا يكون لكل فرد فرد حق خاص به، ولكن حين تجتمع جملة حقوق لأبناء المجتمع تصبح موضوعاً للقانون، لأنه ينظمها على أسس واضحة. وهكذا كانت حقوق الأفراد الطبيعية جزء من وجوداتهم، وامتداداً للإعتراف بهم (وهي كلها
[١] - راجع فلسفة القانون، ص ٩٩؛ وكذلك فلسفة حقوق، ص ٤١٩.
[٢] - النساء/ ٥٩.