التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - ١/ لماذا البحث عن قيم التشريع؟
وإذا أردنا أن ننصف المدرسة الاجتماعية، لابد أن نقول: لعلّ المساهمة الفعّالة لعلم الاجتماع في التشريع القانوني، كانت في توصيتها بدراسة الظواهر الاجتماعية لاكتشاف القانون المناسب. ولا ريب إن تقدم علم الإحصاء والمسح الاجتماعي، وتطور وسائل مراقبة الظواهر الاجتماعية، كل ذلك ساهم في أهمية هذا البند، واليوم لم يعد أحد يجهل مدى علاقة التشريع بوعي حركة المجتمع، ومعرفة تطوّراته.
ثمة مشكلة أخرى في المدرسة الاجتماعية، تتمثل في أنه حسب المذهب الاجتماعي الذي يجعل القانون ظاهرة اجتماعية، يختلط القانون الحكومي مع قانون الجماعات غير الحكومية (جمعّيات سرّية- عصابات إجرامية). فاذا كان القانون عرفاً مرسماً، أو بلورة للعرف الاجتماعي، فان نظام العلاقة بين أبناء هذه الجمعيات، أو العصابات لا بدّ أن يعتبر قانوناً، كما يعتبر نظام الدولة الحاكمة قانوناً، مع إن هناك فرقاً أساسياً يفصل بينهما، هو إن أقصى عقوبة تفرضها الجمعية السرية تتمثل في اقصاء العضو المتمرد عن الجمعية، وحرمانه من الانتفاع بخيرات الجمعية. بينما الدولة، تملك قوانين متكاملة قد تتمثل في استعادة الحق من المتمرد (غرامات، ديات)، وهكذا اعتبر البعض هذه النقطة ثغرة في المذهب الاجتماعي.
قيم التشريع
فيما سبق أشرنا إلى ثلاثة أنماط من المذاهب القانونية؛ المذاهب الطبيعية، والوضعية، والاجتماعية. وقد آن لنا أن ندرس قيم التشريع التي يسعى نحوها المشرع للقانون.
١/ لماذا البحث عن قيم التشريع؟
المدارس القانونية تختلف في أمور شتى، ولكنها تؤمن إلا بعض المذاهب الشاذة منها- بضرورة البحث عن أهدافها، لأن المدرسة الإرادية والتي تجعل القانون تعبيراً عن إرادة المشرع تبحث عن أهدافه في التشريع. وأغلب المؤمنين بالمذهب الاجتماعي يرون البحث عن أهداف القانون مفيداً، لأن المجتمع الذي يميل إلى قانون معين يستهدف من ورائه شيئاً معيناً. أما المدرسة الطبيعية فإنها ترى المشرِّع يسعى نحو تطبيق المبادئ العليا على المتغيرات، وذلك عبر التشريع، بينما المدرسة النفعية تبحث عن المصلحة العامة التي هي هدف القانون. بلى؛ المدرسة الصورية لا ترى كبير فائدة في دراسة أهداف القانون، لأنه يثير الجدل العقيم.