التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - ٥/ المدرسة الديكتاتورية
ثم إن هذه المدرسة ترى أهمية المصالح، ولكن دون أن تحدد ما هِي المعايير التي نوزن بها قيمة المصالح ونفضِّل بعضها على بعض. أضف إلى ذلك أن هذه المدرسة تجعل الأخلاق العليا غير مبررة، وبالتالي تعيد البشرية إلى الجاهلية.
٥/ المدرسة الديكتاتورية
بالرغم من أن المدرسة الارادية التي جعلت القانون تابعاً لمشيئة الحكام وأهوائهم، هذه المدرسة كانت منذ القدم، إلا أن فلسفة هيجل (١٧٧٠/ ١٨٣١) كانت أعتى سند لهذه المدرسة، وتبدأ هذه الفلسفة من التفريق بين الحرية وإتباع الأهواء الفردية. وهكذا يفسر الحرية بالنظام، لأنها لا تتحقق إلا بالدولة، ويزعم أنه لا يمكن التفريق بأية صورة، بين القانون والدولة، وبين السياسة والأخلاق، ومن هنا يمكن للحكومة أن تفدي الفرد لمصلحة المجموع [١].
أما الفكرة العامة في نظرية هيجل- حسبما أرى- فهي بلورة روح الأمة، حيث يعتقد أن الحياة حركة تكاملية نحو الروّح المطلق، وأن كل أمّة تتفق حركتها مع تلك الحركة التكاملية العليا فإنها تتقدم وتتعالى على سائر الأمم، وحين تضعف حركة هذه الأمة تترك القيادة لغيرها.
والصراع القائم بين الأمم، ضرورة لتقدم تلك الروح العالمية، وانتصار أمّة على أخرى هو- في رأي هيجل- انتصار الحق على الباطل، ولأن الواقع هو الحق فإن النتيجة التي تترتّب على نظرياته هي أن القوة هي الحق.
وبما أن (هيجل) كان يرى أن الألمان هم الأمّة القريبة من الروح المطلقة، وأن الدولة فيها هي كل شيء، وأن قوّتها هي الحق، فان نظرية هيجل وجدت أوضح تطبيق لها في النازية العسكرية، وهذا يعتبر أكبر فضيحة لنظريته.
ونظرية الديكتاتورية الهيجيلية تجسدت أيضاً في سائر المذاهب الشيوعية وتطبيقاتها الفاضحة، وتبعتها الفاشية والنازية والمدرسة الخالصة التي تمجد جميعاً وحدة القانون والدولة، وهي عموماً نظرية خاطئة تماماً وللأسباب التالية:
أولًا: لأنها تجعل للدولة الحق في وضع القانون إحتياطاً. وثانياً: لا تهتم بالعوامل المؤثرة في وضع القانون. وثالثاً: تسن القانون بعيداً عن البيئة الاجتماعية ومتغيراتها. ورابعاً: تتنكر للقانون الفطري.
[١] ١- فلسفة القانون، ص ١٤١.