الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٩ - غنى المأمون حين قدم مكة أحدث صوت صنعه
وجدت بخطّ عبد اللّه بن الحسين: حدثني الحسن بن إبراهيم بن رياح، قالا:
كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها بهار [١]، و يستر ذلك عن أمّ جعفر، حتى بلغها ذلك، فأقصته و منعته من المرور ببابها، و كان بها كلفا. قال الصّوليّ في خبره: فلما علم أن الخبر قد بلغ أمّ جعفر قطعها و تجافاها؛ إجلالا لأم جعفر، و طمعا في السلوّ عنها، و ضاق ذرعه بذلك، فبينا/ هو ذات ليلة في زلّال [٢]، و قد انصرف من دار المأمون، و أمّ جعفر تشرب على دجلة، إذ حاذى دارها، فرأى الشمع يزهر فيها، فلما صار بمسمع منها و مرأى اندفع فغنّى:
صوت
إن تمنعوني ممرّي قرب دارهم
فسوف أنظر من بعد إلى الدّار
سيما الهوى شهرت حتى عرفت بها
أنّي محبّ و ما بالحبّ من عار
ما ضرّ جيرانكم- و اللّه يصلحهم
لو لا شقائي- إقبالي و إدباري
لا يقدرون على منعي و لو جهدوا
إذا مررت و تسليمي بإضماري
الشعر للعباس بن الأحنف، و الغناء لمخارق رمل بالوسطى.
فقالت أمّ جعفر: مخارق و اللّه، ردّوه، فصاحوا بملّاحه: قدّم، فقدّم، و أمره الخدم بالصّعود، فصعد، و أمرت له أمّ جعفر بكرسيّ و صينيّة فيها نبيذ، فشرب، و خلعت عليه، و أمرت الجواري فغنّين، ثمّ ضربن عليه فغنّى فكان أوّل ما غنّى:
صوت
أغيب عنك بودّ ما يغيّره
نأي المحلّ و لا صرف من الزمن
فإن أعش فلعلّ الدّهر يجمعنا
و إن أمت فقتيل الهمّ و الحزن
قد حسّن اللّه في عينيّ ما صنعت
حتّى أرى حسنا ما ليس بالحسن
الشّعر للعبّاس بن الأحنف، و الغناء لمخارق رمل.
/ قال: فاندفعت بهار فغنّت كأنها تباينه، و إنما أجابته عن معنى ما عرّض لها به:
تعتلّ بالشّغل عنا ما تلمّ بنا
و الشّغل للقلب ليس الشّغل للبدن
ففطنت أمّ جعفر أنها خاطبته في نفسها، فضحكت و قالت: ما سمعنا بأملح ممّا صنعتما، و قال إسماعيل بن يونس في خبره: و وهبتها له.
غنّى المأمون حين قدم مكة أحدث صوت صنعه
و قال هارون بن الزّيات:
[١] ف، س «نهار».
[٢] زلال: شبه قارب يسير في النهر.