الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨١ - محمد بن داود يغني الرشيد بلحن أخذه عن شهدة فيفوق المغنين
رحنا إلى الواثق و أمّه عليلة، فلمّا صلّى المغرب دخل إلى أمه، و أمر بألّا نبرح، و كان في الصّحن حصر غير مفروشة. فقال لي مخارق: امض بنا حتى نفرش [١] حصيرا من هذه الحصر فنجلس على بعضه و نتّكئ على المدرّج منه، و كانت ليلة مقمرة، فمضينا ففرشنا بعض تلك الحصر، و استلقينا و تحدثنا، و أبطأ الواثق عند أمّه، فاندفع مخارق فغنّى:
أيا بيت ليلى إنّ ليلى عربية
براذان لا خال لديها و لا ابن عم [٢]
فاجتمع علينا الغلمان و خرج الواثق فصاح: يا غلام، فلم يجبه أحد، و مشى من المجلس إلى أن توسّط الدّار، فلما رأيته بادرت إليه، فقال:/ لي: ويلك، هل حدث في داري شيء؟ [٣] فقلت: لا يا سيّدي، فقال:
فمالي أصيح فلا أجاب! [٣] فقلت: مخارق يغنّي و الغلمان قد اجتمعوا عليه، فليس فيهم فضل لسماع غير ما يسمعونه منه، فقال: عذر و اللّه لهم يا ابن حمدون، و أيّ عذر! ثم جلس و جلسنا بين يديه إلى السّحر.
إبراهيم الموصلي يعرف جودة طبعه فيخصه بالتعليم
و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك أنّ مخارقا كان ينادي على اللّحم الذي يبيعه أبوه، فيسمع له صوت عجيب، فاشترته عاتكة بنت شهدة و علّمته شيئا من الغناء ليس بالكثير، ثم باعته من آل الزّبير، فأخذه منهم الرّشيد و سلمه إلى إبراهيم الموصليّ، فأخذ عنه، و كان إبراهيم يقدّمه و يؤثره و يخصّه بالتّعليم لما تبيّنه منه و من جودة طبعه.
كان عبدا لعاتكة بنت شهدة الحاذقة بالغناء
أخبرني عليّ بن عبد العزيز الكاتب قال: حدّثني ابن خرداذبه قال:
كان مخارق بن يحيى بن ناووس الجزّار، و كان عبدا لعاتكة بنت شهدة، و كانت عاتكة أحذق الناس بالغناء، و كان ابن جامع يلوذ منها بالتّرجيع [٤] الكثير، فتقول له: أين يذهب بك؟ هلمّ إلى معظم الغناء و دعني من جنونك، قال: فحدّثني من حضرهما أنّ عاتكة أفرطت يوما في الردّ على ابن جامع بحضرة الرّشيد، فقال لها: أي أمّ العبّاس، أنا- يشهد اللّه- أحبّ [٥] أن تحتك شعرتي بشعرتك، فقالت له: اسكت قطع اللّه لسانك، و لم تعاود بعد ذلك أذيّته، قال: و كانت شهدة أمّ عاتكة نائحة. هكذا ذكر ابن خرداذبه، و ليس الأمر في ذلك كما ذكره.
محمد بن داود يغني الرشيد بلحن أخذه عن شهدة فيفوق المغنين
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثنا الغلابيّ، قال: حدّثني عليّ/ بن محمد النّوفليّ عن عبد اللّه بن
[١] في س، ف «نبسط حصيرا».
[٢] راذان «بعد الألف ذال معجمة» الأسفل، و راذان الأعلى: كورتان بسواد بغداد تشتملان على قرى كثيرة، و أورد ياقوت في «معجمه» ٢- ٧٣٠ البيت بعد قوله: و قال مرّة بن عبد اللّه النهدي في راذان المدينة، و جاء بعده البيتان:
و يا بيت ليلى لو شهدتك أعولت
عليك رجال من فصيح و من عجم
و يا بيت ليلى لا يبست و لا تزل
بلادك يسقيها من الواكف الدّيم
و في ف «بداران» بدل «براذان».
(٣- ٣) ساقط من ف.
[٤] رجع صوته، و فيه: ردده في حلقه.
[٥] ف «أشتهي».