الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٨ - هجاء في ابن مفرغ ينشده ابنه في مجلس عباد
/ قال: و قال عبّاد لحاجبه: ما أرى هذا- يعني ابن مفرّغ- يبالي بالمقام في الحبس، فبع فرسه و سلاحه و أثاثه، و اقسم ثمنها بين غرمائه، ففعل ذلك و قسم الثّمن بينهم، و بقيت عليه بقيّة حبسه بها. فقال ابن مفرّغ يذكر غلامه بردا و جاريته الأراكة و بيعهما:
شريت بردا و لو ملّكت صفقته
لما تطلّبت في بيع له رشدا
لو لا الدّعيّ و لو لا ما تعرّض لي
من الحوادث ما فارقته أبدا
يا برد ما مسّنا برد [١] أضرّ بنا
من قبل هذا و لا بعنا له ولدا [٢]
أمّا الأراك فكانت من محارمنا
عيشا لذيذا و كانت جنّة رغدا
كانت لنا جنّة كنّا نعيش بها
نغنى بها إن خشينا الأزل و النّكدا [٣]
يا ليتني قبل ما ناب الزّمان به
أهلي لقيت على عدوانه الأسدا [٤]
قد خاننا زمن لم نخش عثرته [٥]
من يأمن اليوم أم من ذا يعيش غدا!
لامتني النّفس في برد فقلت لها
لا تهلكي إثر برد هكذا كمدا
كم من نعيم أصبنا من لذاذته
قلنا له إذ تولّى ليته خلدا
خروجه من السجن و هروبه إلى البصرة
قالوا: و علم ابن مفرّغ أنه إن أقام على ذمّ عبّاد و هجائه و هو في محبسه زاد نفسه شرّا؛ فكان يقول للنّاس إذا سألوه عن حبسه ما سببه: رجل أدّبه أميره ليقوّم من أوده، أو يكفّ من غربه [٦]، و هذا لعمري خير من جرّ الأمير ذيله على مداهنة لصاحبه، فلما بلغ عبّادا قوله [٧] رقّ له و أخرجه من السّجن،/ فهرب حتى أتى البصرة، ثم خرج منها إلى الشّام و جعل ينتقل في مدنها هاربا و يهجو زيادا و ولده.
و قال المدائنيّ في خبره:
لمّا بلغ عبّاد بن زياد أنّ ابن المفرّغ قال:
سبق عبّاد و صلّت لحيته
هجاء في ابن مفرغ ينشده ابنه في مجلس عباد
دعا ابنه و المجلس حافل فقال له: أنشدني هجاء أبيك الذي هجي به، فقال: أيّها الأمير، ما كلّف أحد قطّ ما كلّفتني، فأمر غلاما له أعجميّا و قال له: قم على رأسه، فإن أنشد ما أمرته به و إلا فصبّ السّوط على رأسه أبدا أو ينشده، فأنشده أبياتا هجي بها أبوه أولها:
[١] ف، و «رغبة الآمل» ٢/ ٧٠ «دهر».
[٢] ف «و لا بعنا لنا ولدا».
[٣] الأزل: الضيق و الشدة.
[٤] ف:
«لقيت أهل على عدوانه الأسدا»
. [٥] ف «عبرته».
[٦] ف «و يكف من غربه».
[٧] ب «فلما بلغ ذلك عبادا من قوله».