الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٥ - كتاب نقفور إلى الرشيد
قال: لأنه سألني بحقّ اللّه و بحقّ رسوله و قرابته منه و منك، و حلف لي أنّه لا يحدث حدثا، و أنه يجيبني متى طلبته.
فأطرق ساعة، ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به و اخرج الساعة، فخرج. قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسّلامة فقلت له: ما رأيت أثبت من جنانك و لا أصحّ من رأيك فيما جرى،. و أنت و اللّه كما قال أشجع:
بديهته و فكرته سواء
إذا ما نابه الخطب الكبير
و أحزم ما يكون الدّهر رأيا
إذا عيّ المشاور و المشير
و صدر فيه للهمّ اتّساع
إذا ضاقت بما تحوي الصّدور
فقال الفضل: انظروا كم أخذ أشجع على هذه القصيدة، فاحملوا إلى أبي محمد مثله. قال: فوجده قد أخذ ثلاثين ألف درهم، فحملت إليّ.
يرثي صديقا له من بغداد
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدثني محمد بن عجلان، قال: حدّثنا ابن خلّاد، عن حسين الجعفيّ، قال:
كان أشجع إذا قدم بغداد ينزل على صديق له من أهلها، فقدمها مرّة فوجده قد مات، و النوح و البكاء في داره، فجزع لذلك و بكى، و أنشأ يقول:
ويحها هل درت على من تنوح
أ سقيم فؤادها أم صحيح!
قمر أطبقوا عليه ببغدا
د ضريحا، ما ذا أجنّ الضّريح!
رحم اللّه صاحبي و نديمي
رحمة تغتدي و أخرى تروح
و هذه القصيدة التي فيها الأبيات المذكورة و الغناء فيها، من قصيدة يمدح بها أشجع الرّشيد و يهنّئه بفتح هرقلة، و قد مدحه بذلك و هنّأه جماعة من الشّعراء و غنّي في جميعها، فذكرت خبر فتح هرقلة لذكر ذلك.
سبب غزاة الرشيد هرقلة
أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال:
كان من خبر غزاة الرّشيد هرقلة أن الرّوم كانت قد ملّكت امرأة، لأنه لم يكن بقي في أهل زمانها من أهل بيتها [١]- بيت المملكة- غيرها، و كانت تكتب إلى المهديّ و الهادي و الرّشيد أوّل خلافته بالتّعظيم و التّبجيل، و تدرّ عليه الهدايا، حتى بلغ ابن لها فحاز الملك دونها، و عاث و أفسد، و فاسد الرّشيد، فخافت على ملك الرّوم أن يذهب، و على بلادهم أن تعطب؛ لعلمها بالرّشيد و خوفها من سطوته، فاحتالت لابنها فسملت عينيه [٢]، فبطل منه الملك و عاد إليها، فاستنكر ذلك أهل المملكة و أبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور و كان كاتبها، فأعانوه و عضّدوه، و قام بأمر الملك و ضبط أمر الرّوم، فلمّا قوي على أمره و تمكّن من ملكه كتب إلى الرّشيد:
كتاب نقفور إلى الرشيد
«من نقفور ملك الرّوم إلى الرّشيد ملك العرب، أما بعد؛ فإنّ هذه المرأة كانت وضعتك و أباك و أخاك موضع
[١] ف «... بقي في زمانها من أهل بيتها ... الخ».
[٢] سملت عينيه: فقأتهما بحديدة محماة.