الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٢ - إسحاق الموصلي ينشد له قصيدة في الخمر أمام الرشيد و جعفر بن يحيى
ما يمنعك من الفضل؟ فقلت: و من لي بالفضل؟ فقال: أنا لك به، فأدخلني عليه، فأنشدته:
و ما قدّم الفضل بن يحيى مكانه
على غيره بل قدّمته المكارم
لقد أرهب الأعداء حتى كأنما
على كل ثغر بالمنيّة قائم
فقال لي: كم أعطاك جعفر؟ فقلت: عشرة آلاف درهم، فقال: أعطوه عشرين ألفا.
جعفر بن يحيى يجري عليه في كل جمعة مائة دينار
أخبرني علي بن صالح، قال: حدّثني أحمد بن أبي فنن، قال: حدثني داود بن مهلهل، قال:
لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام، نزل في مضربه، و أمر بإطعام الناس، فقام أشجع فأنشده قوله:
فئتان باغية و طاغية
جلّت أمورهما عن الخطب
قد جاءكم بالخيل شازبة [١]
ينقلن نحوكم رحى الحرب
لم يبق إلا أن تدور بكم
قد قام هاديها على القطب
قال: فأمر له بصلة ليست بالسّنيّة، و قال له: دائم القليل خير من منقطع الكثير، فقال له: و نزره [٢] أكثر من جزيل غيره، فأمر له بمثلها، قال: و كان يجري عليه في كلّ جمعة مائة دينار مدة مقامه ببابه.
إسحاق الموصلي ينشد له قصيدة في الخمر أمام الرشيد و جعفر بن يحيى
أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، قال: حدثنا إسحاق الموصليّ، قال:
دخلت إلى الرّشيد يوما، و هو يخاطب جعفر بن يحيى بشيء لم أسمع ابتداءه، و قد علا صوته، فلما رآني مقبلا قال لجعفر بن يحيى: أ ترضى بإسحاق؟ قال جعفر: و اللّه ما في علمه مطعن إن أنصف، فقال لي: أيّ شيء تروي للشعراء المحدثين [٣] في الخمر؟ أنشدني من أفضل ما عندك و أشدّه تقدّما، فعلمت أنهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس، فعدلت عنه إلى غيره؛ لئلا أخالف أحدهما، فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله:
و قد طعنت الليل في أعجازه
بالكأس بين غطارف كالأنجم [٤]
يتمايلون على النعيم كأنّهم
قضب من الهنديّ لم تتثلّم
و سعى بها الظّبي العزير يزيدها
طيبا و يغشمها إذا لم تغشم [٥]
و الليل منتقب بفضل ردائه
قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم [٦]
فإذا أدارتها الأكفّ رأيتها
تثني الفصيح إلى لسان الأعجم
و على بنان مديرها عقيانة
من سكبها و على فضول المعصم
[١] في ب، س: شارية. و في «المختار» شازية. و في ما: شاربة. و ما أثبتناه من ف. و المعنى: ضامرة يابسة.
[٢] في س: و نزر الوزير.
[٣] في ب، س «أي شيء تروي الشعراء المحدثون في الخمر».
[٤] الغطارف: السادة الأشراف.
[٥] تغشم: تظلم.
[٦] الأرثم من الخيل: ما كان في طرف أنفه بياض أو كان أبيض الشفة العليا.