الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٩ - أنشد الرشيد قصيدته الميمية فاستحسنها و قال هكذا تمدح الملوك
و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد
رصدان ضوء الصّبح و الإظلام
فإذا تنبّه رعته و إذا غفا
سلّت عليه سيوفك الأحلام
/ و أنشدته أنا قولي:
زمن بأعلى الرّقمتين قصير
حتى انتهيت إلى قولي:
لا تبعد الأيّام إذ ورق الصّبا
خضل و إذ غضّ الشباب [١] نضير
فاستحسن هذا البيت، و مضيت في القصيدة حتى أتممتها، فوجّه إليّ الفضل بن الربيع: أنفذ إليّ قصيدتك، فإني أريد أن أنشدها الجواري من استحسانه إيّاها.
/ قال: و ركب الرشيد يوما قبّة و سعيد بن سالم [٢] معه في القبّة، فقال: أين محمد البيذق؟ و كان رجلا حسن الصّوت ينشد الشعر فيطرب بحسن صوته أشدّ من إطراب الغناء، فحضر، فقال: أنشدني قصيدة الجرجانيّ، فأنشده، فقال: الشّعر في ربيعة سائر اليوم، فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، استنشده قصيدة أشجع بن عمرو، فأبى، فلم يزل به حتى أجاب إلى استماعها، فلما أنشده هذين البيتين:
و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد
و الذي بعده، قال له سعيد بن سالم [٢]: و اللّه يا أمير المؤمنين، لو خرس بعد هذين لكان أشعر الناس.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبي، قال:
بلغني أنّ أشجع لمّا أنشد الرّشيد هذين البيتين:
و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد
و الذي بعده، طرب الرشيد، و كان متّكئا فاستوى جالسا، و قال: أحسن و اللّه، هكذا تمدح الملوك.
أخبرني أحمد بن إسحاق العسكريّ، و الحسن بن عليّ، قالا: حدثنا أحمد بن سعيد بن سالم الباهليّ، عن أبيه، قال:
كنت عند الرّشيد، فدخل إليه أشجع، و منصور النّمريّ، فأنشده أشجع قوله:
و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد
رصدان ضوء الصّبح و الإظلام
فإذا تنبّه رعنه و إذا غفا [٣]
سلّت عليه سيوفك الأحلام
فاستحسن ذلك الرّشيد، و أومأت إلى أشجع أن يقطع الشعر، و علمت أنّه لا يأتي/ بمثلهما، فلم يفعل، و لمّا أنشده ما بعدهما فتر الرّشيد و ضرب بمحضرة كانت بيده الأرض، و استنشد منصورا النّمريّ، فأنشده قوله:
ما تنقضي حسرة منّي و لا جزع
إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
[١] في ف: غصن.
[٢] ف «سلم».
[٣] في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة ٢- ٨٨٢ ط. المعارف: ... و إذا هدى.