الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٩ - ملاحاة بينه و بين عمرو بن العاص
قالت له: أ لم تحلف ألّا تشرب؟ و لامته، فقال:
و لسنا بشرب أمّ عمرو [١] إذا انتشوا
ثياب النّدامى عندهم كالغنائم
و لكنّنا يا أمّ عمرو نديمنا
بمنزلة الرّيّان ليس بعائم
أسرّك لما صرّع القوم نشوة
أن أخرج منها سالما غير غارم
خليّا كأنّي لم أكن كنت فيهم
و ليس الخداع مرتضى في التّنادم
ملاحاة بينه و بين عمرو بن العاص
[أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن محمد بن قادم مولى بني هاشم، قال: حدثني عمي: أحمد بن جعفر، عن ابن دأب، قال:
قدم رجل من تجار الروم بحلّة من لباس قيصر على أهل مكة، فأتى بها عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فعرضها عليه بمائة حقّ من الإبل، فاستغلاها، فأتى بها عمرو بن العاص، فقال له: هل أتيت بها أحدا؟
قال: نعم، عمارة بن الوليد فاستغلاها و قال: لن تعدم لها غويّا من بني سهم، قال: قد أخذتها، فاشتراها بمائة حقّ، يعني مائة بعير، ثم أقبل يخطر فيها حتى أتى بني مخزوم، فناداه عمارة: أ تبيع الحلّة يا عمرو؟ فغضب و التفت إلى عمارة، فقال:
/
عليك بجزّ رأس أبيك إنّا
كفيناك المسهّمة [٢] الرّقاقا
زووها [٣] عنكم و غلت عليكم
و أعطينا بها مائة حقاقا
و قلتم: لا نطيق ثياب سهم
و كلّ سوف يلبس ما أطاقا
قال: فغضب عمارة و قال: يا عمرو، ما هذا التّهوّر؟ إنك لست بعتبة بن ربيعة، و لا بأبي سفيان بن حرب، و لا الوليد بن المغيرة، و لا سهيل بن عمر، و لا أبيّ بن خلف، فقال عمرو: إلّا أكن بعضهم فإن كلّ واحد منهم خير ما فيه فيّ: من عتبة حلمه، و من أبي سفيان رأيه، و من سهيل جوده، و من أبيّ بن خلف نجدته، و أما الوليد فو اللّه ما أحب أنّ فيّ كلّ ما فيه من خير و شر، و لكنك و اللّه مالك عقل الوليد، و لا بأس الحارث بن هشام و خالد بن الوليد، و لا لسان أبي الحكم، يعني أبا جهل. و انصرف، فأمر عمارة بجزور فنحرت على طريق عمرو، و أقبل عمرو فقال: لمن هذه الجزور؟ قيل: لعمارة، فقال له: أطعمنا منها يا عمارة، فضحك منه، ثم قال:
عليك بجزر أير أبيك إنا
كفيناك المشاشة و العراقا [٤]
و منسبة الأطايب من قريش
و لم تر كأسنا إلّا دهاقا
و نلبس في الحوادث كلّ زغف [٥]
و عند الأمن أبرادا رقاقا
فوقع الشرّ بينهم، فقال عمرو:
[١] في ب، ما «أم عوف».
[٢] سهّم الثوب و غيره: صور فيه سهاما، فهو مسهم.
[٣] زووها عنكم: صرفوها و نحّتوها.
[٤] المشاشة: رأس العظم اللين الذي يمكن مضغه. و العراق: العظم أكل لحمه.
[٥] الزغف: الدرع الواسعة الطويلة.