العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩١ - من حرب صفين
أبو بكر بن أبي شيبة قال: انقضت وقعة صفين عن سبعين ألف قتيل: خمسين ألفا من أهل الشام، و عشرين ألفا من أهل العراق.
و لما انصرف الناس من صفين قال عمرو بن العاص:
شبّت الحرب فأعددت لها # مشرّف الحارك محبوك الثّبج [١]
يصل الشرّ بشّر فإذا # وثب الخيل من الشرّ معج [٢]
جرشع أعظمه جفرته # فإذا ابتلّ من الماء خرج [٣]
و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص:
فإن شهدت جمل مقامي و مشهدي # بصفّين يوما شاب منها الذّوائب
عشيّة جا أهل العراق كأنهم # سحاب خريف صفّعته الجنائب [٤]
و جئناهم تترى كأن صفوفنا # من البحر مدّ موجه متراكب
إذا قلت قد ولّوا سراعا بدت لنا # كتائب منهم فارجحنّت كتائب
فدارت رحانا و استدارت رحاهم # سراة النهار ما تولّى المناكب
و قالوا لنا: إنا نرى أن تبايعوا # عليّا فقلنا: بل نرى أن نضارب
و قال السيد الحميري و هو رأس الشيعة، و كانت الشيعة من تعظيمها له تلقى له و سادا بمسجد الكوفة:
إني أدين بما دان الوصيّ به # و شاركت كفّه كفّي بصفّينا
في سفك ما سفكت منها إذا احتضروا # و أبرز اللّه للقسط الموازينا
تلك الدّماء معا يا ربّ في عنقي # ثم اسقني مثلها آمين آمينا
آمين!من مثلهم في مثل حالهم # في فتية هاجروا في اللّه شارينا
ليسوا يريدون غير اللّه ربّهم # نعم المراد توخّاه المريدونا
[١] الثبج: الوسط.
[٢] المعج: سرعة السير.
[٣] جرشع: عظيم الصدر. و الجفرة. وسط الفرس.
[٤] الجنائب: جمع جنوب، و هي الريح الحارة.