العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٥ - يوم الجمل
الموعظة؛ لا يتّهمني إلا من عصى ربّه؛ و مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بين سحري و نحري؛ فأنا إحدى نسائه في الجنة، [له]ادّخرني ربي و سلّمني من كل بضع [١] ، و بي ميز بين منافقكم و مؤمنكم، و بي أرخص لكم في صعيد الأبواء؛ ثم أبي ثالث ثلاثة من المؤمنين، و ثاني اثنين في الغار، و أول من سمّي صدّيقا؛ مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم راضيا عنه، و طوّقه طوق الإمامة؛ ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبي بطرفيه، و رتق [٢]
لكم أثناءه، فوقم [٣] النفاق، و أغاض نبع الردة، و أطفأ ما حشّت [٤] يهود؛ و أنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون، و تسمعون الصيحة، فرأب الثّأي [٥] ، و أوذم [٦]
العطلة، و انتاش [٧] من الهوّة، و اجتحى [٨] دفين الداء، حتى أعطن [٩] الوارد، و أورد الصادر، و علّ الناهل، فقبضه اللّه واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله؛ ثم ولّى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين [١٠] ، عركة [١١] للأذاة بجنبه، يقظان الليل في نصرة الإسلام؛ فسلك مسلك السابقة، ففرق شمل الفتنة و جمع أعضاد ما جمع القرآن، و أنا نصب المسألة عن مسيري هذا، لم ألتمس إثما، و لم أورّث [١٢] فتنة أوطئكموها. أقول قولي هذا صدقا و عدلا و إعذارا و إنذارا، و أسأل اللّه أن يصلي على محمد، و أنه يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
و كتبت أمّ سلمة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم إلى عائشة أم المؤمنين إذ عزمت على الخروج إلى الجمل:
[١] بضع: أي من كل نكاح.
[٢] الرتق: ضد الفتق و أثناء الشيء: قوّاه.
[٣] وقم: قهر و أذلّ.
[٤] حشّ النار: أوقدها.
[٥] الثأي: الإفساد.
[٦] العطلة من الدلاء: التي انقطع و ذمها.
[٧] انتاش: أخرج.
[٨] اجتحى: استأصل.
[٩] أعطن الوارد: حبس إبله عن الماء.
[١٠] مشى اللابة: الحرة.
[١١] العرك: الدلك.
[١٢] أورث: أشعل و أوقد.