العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٣ - شبيب و عبد اللّه
كنظري إلى آبائهم قبلهم؛ إن دولتكم ستطول، و كلّ طويل مملول؛ و كلّ مملول مخذول، فإذا كان ذلك كذلك، كان سببه اختلافكم فيما بينكم، و اجتماع المخلفين عليكم، فيدبر الأمر بضدّ ما أقبل له، فلست أذكر جسيما يركب منكم و لا قبيحا ينتهك فيكم، إلا و الذي أمسك عن ذكره أكثر و أعظم؛ و لا معوّل عليه عند ذلك أفضل من الصبر و احتساب الأجر، فيمادكم القوم دولتهم امتداد العنانين في عنق الجواد، حتى إذا بلغ اللّه بالأمر مداه، و جاء الوقت المبلول بريق النبي صلّى اللّه عليه و سلم، مع الخلقة المطبوعة على ملالة الشيء المحبوب، كانت الدولة كالإناء [١] المكفأ فعندها أوصيكم بتقوى اللّه الذي لم يتقه غيركم فيكم، فجعل العاقبة لكم، و العاقبة للمتقين.
قال عمرو بن عتبة: فدخلت عليه يوما آخر فقال: يا عمرو، أوعيت كلامي؟ قلت: وعيت. قال: أعد عليّ كلامي، فلقد كلمتكم و ما أراني أمسي من يومكم ذلك.
شبيب و عبد اللّه:
قال شبيب بن شيبة الأهتمي حججت عام هلك هشام و ولي الوليد بن يزيد، و ذلك سنة خمس و عشرين و مائة، فبينما أنا مريح ناحية من المسجد، إذ طلع من بعض أبواب المسجد فتى أسمر رقيق السّمرة، موفر اللّمّة [٢] ، خفيف اللّحية، رحب الجبهة، أقنى [٣] بين القنا، أعين كأن عينيه لسانان ينطقان، يخلق أبّهة الأملاك بزي النساك، تقبله القلوب، و تنبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه و العتق في صورته، و اللّب في مشيته؛ فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، و سبقني فتحرّم بالطواف، فلما سبّع قصد المقام فركع، و أنا أرعاه ببصري، ثم نهض
[١] الإناء المكفأ: المقلوب.
[٢] اللمة: شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن.
[٣] الأقنى: الذي ارتفع وسط قصبة أنفه و ضاق منخراه.