العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٧ - احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح، فلما أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد؟قال: و ما علمي بمحمد أين هو؟قالوا: فلا نراك إلا مغرّرا بنفسك منذ ليلتنا، فلم يزل على أفضل ما بدأ به يزيد، و لا ينقص، حتى قبضه اللّه إليه.
يا إسحاق، هل تروي حديث الولاية؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اروه، ففعلت قال: يا إسحاق، أ رأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر و عمر ما لم يوجب لهما عليه؟قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه و بين علي، و أنكر ولاء علي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه؛ اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» . قال: في أي موضع قال هذا، أ ليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟قلت: أجل. قال: فإنّ قتل زيد بن حارثة قبل الغدير؛ كيف رضيت لنفسك بهذا؟أخبرني: لو رأيت ابنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي، أيها الناس فاعلموا ذلك؛ أ كنت منكرا ذلك عليه: تعريفه الناس ما لا ينكرون و لا يجهلون؟فقلت: اللهم نعم، قال: يا إسحاق، أ فتنزّه ابنك عما لا تنزه عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؟ويحكم!لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم [١] ؛ إن اللّه جل ذكره قال في كتابه: اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [٢] . و لم يصلّوا لهم و لا صاموا و لا زعموا أنهم أرباب، و لكن أمروهم فأطاعوا أمرهم؛ يا إسحاق، أ تروي حديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته و سمعت من صحّحه و جحده. قال: فمن أوثق عندك: من سمعت منه فصحّحه، أو من جحده؟ قلت: من صحّحه. قال: فهل يمكن أن يكون الرسول صلّى اللّه عليه و سلم مزح بهذا القول؟قلت:
أعوذ باللّه!قال: فقال قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟قلت: أعوذ باللّه!قال: أ فما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه و أمّه؟قلت: بلى. قال: فعليّ أخو رسول اللّه لأبيه و أمّه؟قلت: لا. قال: أ و ليس هارون كان نبيّا و عليّ غير نبيّ؟قلت: بلى.
[١] الأرباب: جمع ربّ و هو الاله أو الصاحب.
[٢] سورة التوبة الآية ٣١.