العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥١ - احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
و علة العلة؛ و هو مطرق لا يتكلم، حتى إذا انقطع الكلام التفت إلى يحيى فقال: يا أبا محمد، أصبت الجواب و تركت الصواب في العلة. ثم لم يزل يردّ على كل واحد منا مقالته، و يخطّئ بعضنا و يصوّب بعضنا؛ حتى أتى على آخرنا، ثم قال: إني لم أبعث فيكم لهذا، و لكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه و الذي يدين اللّه به. قلنا: فليفعل أمير المؤمنين وفقه اللّه. فقال: إن أمير المؤمنين يدين اللّه على أنّ عليّ بن أبي طالب خير خلق اللّه بعد رسوله صلّى اللّه عليه و سلم و أولى الناس بالخلافة له. قال إسحاق: فقلت يا أمير المؤمنين، إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ، و قد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة. فقال يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتك أسألك، و إن شئت أن تسأل فقل. قال إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال: سل. قلت: من أين قال أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول اللّه و أحقهم بالخلافة بعده؟قال: يا إسحاق، خبّرني عن الناس: بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل من فلان؟قلت:
بالأعمال الصالحة: قال: صدقت، قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ثم إن المفضول عمل بعد وفاة رسول اللّه بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول اللّه-أ يلحق به؟قال: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق، لا تقل نعم؛ فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا و حجا و صياما و صلاة و صدقة. فقلت أجل يا أمير المؤمنين، لا يلحق المفضول على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الفاضل أبدا. قال: يا إسحاق، فانظر ما رواه لك أصحابك و من أخذت عنهم دينك و جعلتهم قدوتك من فضائل عليّ بن أبي طالب؛ فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل علي، فقل إنه أفضل منه، لا و اللّه، و لكن فقس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر و عمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده، فقل إنهما أفضل منه؛ و لا و اللّه، و لكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر و عمر و عثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ، فقل إنهم أفضل منه؛ لا و اللّه، و لكن قس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم