العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٠ - احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
عدّة من أصحابي، و هو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أحضر معي غدا مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه [١] ما يقال له و يحسن الجواب؛ فسمّوا من تظنّونه يصلح لما يطلب أمير المؤمنين. فسمّينا له عدة، و ذكر هو عدة، حتى تم العدد الذي أراد، و كتب تسمية القوم، و أمر بالبكور [٢] في السحر، و بعث إلى من لم يحضر، فأمره بذلك؛ فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فوجدناه قد لبس ثيابه و هو جالس ينتظرنا، فركب و ركبنا معه حتى صرنا إلى الباب، فإذا بخادم واقف؛ فلما نظر إلينا قال: يا أبا محمد، أمير المؤمنين ينتظرك.
فأدخلنا، فأمرنا بالصلاة فأخذنا فيها، فلم نستتم حتى خرج الرسول فقال: ادخلوا.
فدخلنا فإذا أمير المؤمنين جالس على فراشه، و عليه سواده و طيلسانه [٣] و الطويلة و عمامته، فوقفنا و سلّمنا، فردّ السلام و أمر لنا بالجلوس، فلما استقرّ بنا المجلس انحدر عن فراشه و نزع عمامته و طيلسانه و وضع قلنسوته [٤] ، ثم أقبل علينا فقال: إنما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك، و أما الخفّ فمنع من خلعه علة، من قد عرفها منكم فقد عرفها، و من لم يعرفها فسأعرّفه بها. و مدّ رجله و قال: انزعوا قلانسكم و خفافكم و طيالستكم. قال: فأمسكنا، فقال لنا يحيى: انتهوا إلى ما أمركم به أمير المؤمنين. فتنحينا فنزعنا أخفافنا و طيالستنا و قلانسنا و رجعنا؛ فلما استقر بنا المجلس قال: إنما بعثت إليكم معشر القوم في المناظرة، فمن كان به شيء من الأخبثين [٥] لم ينتفع بنفسه و لم يفقه ما يقول؛ فمن أراد منكم الخلاء فهناك. و أشار بيده، فدعونا له. ثم ألقى مسألة من الفقه، فقال: يا محمد، قل، و ليقل القوم من بعدك. فأجابه يحيى، ثم الذي يلي يحيى، ثم الذي يليه، حتى أجاب آخرنا، في العلة
[١] يفقه: يفهم.
[٢] البكور: الإسراع.
[٣] الطيلسان: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال عن التفصيل و الخياطة. أو هو ما يعرف بالعامية المصرية بالشال.
[٤] القلنسوة: لباس للرأس، مختلف الأنواع و الأشكال.
[٥] الأخبثين: البول و الغائط.