العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣١ - ابن المهدي و جعفر و عبد الملك
فلقد رفعت لجعفر # ذكرين قلاّ في جزائه
فارفع ليحيى مثله # ما العود إلا من لحائه
و اخضب بصدر مهنّد # عثنون يحيى من دمائه [١]
ابن المهدي و جعفر و عبد الملك:
إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوما: إنني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة، و أردت أن أخلو بنفسي و أفرّ من أشغال الناس و أ توحّد، فهل أنت مساعدي؟قلت: جعلني اللّه فداك، أنا أسعد بمساعدتك و آنس بمخالاتك. فقال:
بكّر إليّ بكور الغراب. قال: فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه و هو قاعد ينتظرني للميعاد. قال: فصلينا ثم أفضنا في الحديث، حتى أتى وقت الحجامة، فأتى الحجّام، فحجمنا في ساعة واحدة، ثم قدّم إلينا الطعام فطعمنا فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة و ضمخنا بالخلوق [٢] ، و ظللنا بأسرّ يوم مرّ بنا؛ ثم إنه تذكر حاجة، فدعا الحاجب فقال له: إذا جاء عبد الملك القهرمان [٣] فأذن له. فنسي الحاجب و جاء عبد الملك بن صالح الهاشمي على جلالته و سنّه و قدره و أدبه، فأذن له الحاجب، فما راعنا إلا طلعة عبد الملك بن صالح، فتغيّر لذلك وجه جعفر بن يحيى، و تنغّص عليه ما كان فيه؛ فلما نظر إليه عبد الملك على تلك الحالة، دعا غلامه، فدفع إليه سيفه و سواده و عمامته، ثم جاء فوقف على باب المجلس، فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم!قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة؛ و دعا بطعام فطعم؛ ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثا، ثم قال: ليخفّف عني، فإنه شيء ما شربته قط!فتهلل وجه جعفر فرحا، و قد كان الرشيد حاور عبد الملك على المنادمة فأبى ذلك و تنزّه عنه؛ ثم قال له جعفر بن يحيى: جعلني اللّه فداك؛ قد تفضلت و تطوّلت [٤] ، فهل من
[١] العثنون: ما نبت على الذقن و تحته سفلا.
[٢] الخلوق: الخلاق: ضرب من الطيب.
[٣] القهرمان: امين الملك و وكيله الخاص.
[٤] تطولت: تفضلت.