العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٧ - من يحيى في حبسه إلى الرشيد
دهر، و قد عاين الموت، و شارف الفوت [١] ، جزعا لموجدتك يا أمير المؤمنين، و أسفا على ما فات من قربك، لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل و المال إنما كانا لك، و بك و كانا في يديّ عارية، و العارية مردودة؛ و أما ما أصبت به من ولدي فبذنبه، و لا أخشى عليك الخطأ في أمره، و لا أن تكون تجاوزت به فوق حده.
تفكّر في أمري، جعلني اللّه فداك، و ليمل هواك بالعفو عن ذنب إن كان فمن مثلي الزلل و من مثلك الإقالة [٢] ؛ و إنما أعتذر إليك بإقرار ما يجب به الإقرار حتى ترضي، فإذا رضيت رجوت إن شاء اللّه أن يتبين لك من أمري و براءة ساحتي ما لا يتعاظمك بعده ذنب أن تغفره. مدّ اللّه لي في عمرك و جعل يومي قبل يومك! و كتب إليه بهذه الأبيات:
قل للخليفة ذي الصّنيعة # و العطايا الفاشيه
و ابن الخلائف من قريش # و الملوك العاليه
إنّ البرامكة الذين # رموا لديك بداهيه
صفر الوجوه عليهم # خلع المذلة باديه
فكأنهم ممّا بهم # أعجاز نخل خاويه [٣]
عمّتهم لك سخطة # لم تبق منهم باقيه
بعد الإمارة و الوزا # رة و الأمور الساميه
و منازل كانت لهم # فوق المنازل عاليه
أضحوا و جلّ مناهم # منك الرّضا و العافيه
يا من يودّ لي الرّدى # يكفيك مني ما بيه [٤]
يكفيك ما أبصرت من # ذلّي و ذلّ مكانيه
[١] الفوت: المضيّ.
[٢] الإقالة: الصفح.
[٣] أعجاز النخل: أصولها.
[٤] الردى: الهلاك.