العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٥ - يحيى و منكة الهندي
لهم، فإنهم استوحشوه من أنفسهم، و إني عنده بالموضع الذي لا يكتمني شيئا من أمرهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تنقلني من السّعة إلى الضيق!فقال الرشيد: إلا أن تقول؛ فإني لا أتهمك في نصيحة و لا أخافك على رأي و لا مشورة!فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أرى نفاستك عليهم بما صاروا إليه من النعمة و السّعة، و لك أن تأمر و تنهى، و هم عبيد لك بإنباتك إياهم؛ فهل ذلك كلّه إلا بك؟-قال: و كنت أحطب في حبال البرامكة-فقال لي: فضياعهم ليس لولدي مثلها و تطيب نفسي بذلك لهم!فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الملك لا تحسد، و لا يحقد، و لا ينعم نعمة ثم يفسد نعمته. قال: فرأيته قد كره قولي و زوى [١] وجهه عني.
قال إسحاق: فعلمت أنه سيوقع بهم، ثم انصرفت فكتمت الخبر فلم يسمع به أحد، و تجنبت لقاء يحيى و البرامكة خوفا أن يظن أني أفضي إليهم بسرّه، حتى قتلهم، و كان أشدّ ما كان إكراما لهم؛ و كان قتلهم بعد ست سنين من تاريخ ذلك اليوم.
يحيى و منكة الهندي:
و كان يحيى بن خالد بن برمك قد اعتلّ قبل النازلة التي نزلت بهم، فبعث إلى منكة الهندي فقال: ما ذا ترى في هذه العلة؟فقال منكة: داء كبير دواؤه يسير، و الصبر أيسر؛ و كان متفنّنا. فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع [٢] خطرة الحق به، و إذا كان ذلك كان الهجر له ألزم من المفاوضة[فيه]. قال منكة: لكنني أرى في الطالع أثرا و الأمد فيه قريب، و أنت قسيم في المعرفة، و ربما كانت صورة النجم عقيمة لا نتاج لها، و لكن الأخذ بالحزم أوفى لحظّ الطالبين. قال يحيى: الأمور منصرفة إلى العواقب، و ما حتم فلا بد أن يقع، و المنعة بمسالمة الأيام نهزة [٣] ، فاقصد ما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها
[١] زوى وجهه: نحاه و صرفه.
[٢] الخطرة: ما يخطر، أو الحين.
[٣] نهزة: فرصة.