العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٣ - بين أم جعفر و الرشيد
الأمر من قبل و من بعد!قالت: يا أمير المؤمنين، وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ `بِنَصْرِ اَللََّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشََاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ [١] ؛ و اذكر يا أمير المؤمنين أليّتك [٢] . ما استشفعت إلا شفعتني!قال: و اذكري يا أم الرشيد أليّتك لا شفعت لمقترف ذنبا.
قال سهل بن هارون: فلما رأته صرّح بمنعها و لاذ عن مطلبها، أخرجت حقا [٣] من زبرجدة خضراء فوضعته بين يديه؛ فقال الرشيد: ما هذا؟ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه قميصه و ذوائبه [٤] و ثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك و أستعين باللّه عليك و بما صار معي من كريم جسدك و طيب جوارحك ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر و بكى بكاء شديدا، و بكى أهل المجلس، و مر البشير إلى يحيى و هو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له و رجوع عنه، فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ، و قال لها: لحسنا ما حفظت الوديعة!قالت: و أهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين! فسكت و أقفل الحق و دفعه إليها، و قال: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلىََ أَهْلِهََا [٥] . قالت: و اللّه يقول: وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [٦] . و يقول: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللََّهِ إِذََا عََاهَدْتُمْ [٧] . قال: و ما ذلك يا أم الرشيد؟قالت: ما أقسمت لي به أن لا تحجبني و لا تجبهني قال: أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكّمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، و قد فعلت غير مستقيلة لك، و لا راجعة عنك. قال: بكم؟قالت: برضاك عمن لم يسخطك!قال: يا أم الرشيد، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم؟فتحكّمي في تمنية بغيرهم. قالت: بلى قد
[١] سورة الروم الآية ٤.
[٢] الأليّة: اليمين.
[٣] الحقّ: وعاء صغير ذو غطاء.
[٤] الذوائب: جمع ذؤابة: و هي شعر مقدم الرأس. و ثناياه. اسنانه الأربعة التي في مقدم الفم.
[٥] سورة النساء الآية ٥٨.
[٦] المرجع نفسه.
[٧] سورة النحل الآية ٩١.