العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٤ - عمر بن عبد العزيز و موت الحجاج
و مطرّف يريان التورية، و كان سعيد بن جبير لا يرى ذلك؛ فلما قدّم له الشعبي قال:
أ كافر أنت أم مؤمن؟قال: أصلح اللّه الأمير، نبا بنا المنزل، و أجدب بنا الجناب [١] ، و استحلسنا [٢] الخوف، و اكتحلنا السهر، و خبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، و لا فجرة أقوياء. قال الحجاج: صدق و اللّه، ما برّوا بخروجهم علينا و لا قووا، خلّيا عنه.
ثم قدّم إليه مطرّف بن عبد اللّه، فقال ل: أ كافر أنت أم مؤمن؟قال: أصلح اللّه الأمير، إن من شق العصا، و نكث البيعة، و فارق الجماعة، و أخاف المسلمين-لجدير بالكفر. فقال: صدق، خليا عنه.
ثم أتي بسعيد بن جبير، فقال له: أنت سعيد بن جبير؟قال: نعم. قال: لا، بل شقي ابن كسير!قال: أمي أعلم باسمي منك. قال: شقيت و شقيت أمّك. قال:
الشقاء لأهل النار!قال: أ كافر أنت أم مؤمن؟قال: ما كفرت باللّه منذ آمنت به.
قال: اضربوا عنقه.
موت الحجاج
مات الحجاج في آخر أيام الوليد بن عبد الملك؛ فتفجّع عليه و ولّى مكانه يزيد ابن أبي مسلم كاتب الحجاج، فاكتفى و جاوز؛ فقال الوليد: مات الحجاج و وليت مكانه يزد بن أبي مسلم، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا.
و كان الوليد بن عبد الملك يقول: ألا إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول:
الحجاج جلدة ما بين عيني و أنفي؛ و أنا أقول: إنه جلدة وجهي كله.
عمر بن عبد العزيز و موت الحجاج:
و لما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خرّ ساجدا؛ و كان يدعو اللّه أن يكون
[١] الجناب: يقال: أنا في جناب فلان: كنفه و رعايته، و فلان رحب الجناب و خصيب الجناب: سخيّ.
[٢] استحلسنا الخوف: لم يفارقنا.