العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٦ - و له في وفاة ابنه
و له في وفاة ابنه:
فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج، فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمد أخيه: ففرح أهل العراق، و قالوا: انقطع ظهر الحجاج و هيض [١] جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس. فقال:
أيها الناس، محمدان في يوم واحد!أما و اللّه ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو من ثواب اللّه لهما في الآخرة؛ و ايم اللّه ليوشكن الباقي مني و منكم أن يفنى. و الجديد أن يبلى، و الحيّ مني و منكم أن يموت، و أن تدال [٢] الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل من لحومنا، و تشرب من دمائنا. كما مشينا على ظهرها، و أكلنا من ثمارها، و شربنا من مائها. ثم نكون كما قال اللّه تعالى: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذََا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ إِلىََ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٣] . ثم تمثل بهذين البيتين:
عزائي نبيّ اللّه من كلّ ميّت # و حسبي ثواب اللّه من كلّ هالك
إذا ما لقيت اللّه عنّي راضيا # فإنّ سرور النّفس فيما هنالك
ثم نزل، و أذن للناس فدخلوا عليه يعزونه. و دخل فيهم الفرزدق. فلما نظر إليه قال: يا فرزدق، أ ما رثيت محمدا و محمدا؟قال: نعم أيها الأمير و أنشد:
لئن جزع الحجّاج، ما من مصيبة # تكون لمحزون أمضّ و أوجعا.. [٤]
.. من المصطفى و المنتقى من نقاية # جناحاه لمّا فارقاه و ودّعا
جناحا عتيق فارقاه كلاهما # و لو نزعا من غيره لتضعضعا [٥]
و لو أنّ يومي جمعتيه تتابعا # على شامخ صعب الذّرى لتصدّعا
سميّا رسول اللّه سمّاهما به # أب لم يكن عند الحوادث أخضعا
[١] هيض الجناح: أي كسر بعد ما كاد ينجبر.
[٢] دالت: انتقلت من حال إلى حال.
[٣] سورة يس الآية ٥١.
[٤] أمضّ: أشد الما و وجما.
[٥] العتيق من الطير: الجارح.