العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠١ - الحجاج و الوليد و أم البنين
فأما كتابك إليّ فلعمري لقد ضعف فيه عقلك، و استخف به حلمك، فلله أبوك!أ فلا انتصرت بقضاء اللّه دون قضائك، و رجاء اللّه دون رجائك و أمتّ غيظك و أمنت عدوك، و سترت عنه تدبيرك، و لم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته؟و لكنك لم تستشفّ [١] الأمور علما، و لم ترزق من أمرك حزما، جمعت أمورا دلاّك فيها الشيطان على أسوأ أمرك، فكان الجفاء من خليقتك، و الحمّق من طبيعتك، و أقبل الشيطان بك و أدبر، و حدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك، فتحذلقت حنجرتك لقوله، و اتسع جوانبها لكذبه، و أما قولك لو ملكك اللّه لعلّقت زينب ابنة يوسف بثدييها؛ فأرجو أن يكرمها اللّه بهوانك و أن لا يوفق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك؛ مع أني أعرف أنك كتبت إلي و الشيطان بين كفيك، فشرّ ممل علي شرّ كاتب راض بالخسف [٢] ، فأحر بالحق أن لا يدلك على هدى، و لا يردّك إلا إلى ردى؛ و تحلب فوك للخلافة، فأنت شامخ البصر، طامح النظر تظن أنك حين تملكها لا تنقطع عنك مدتها؛ إنها للقطة اللّه، أسأل اللّه أن يلهمك فيها الشكر. مع أني أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك و أخوك فأكون لك مثلي لهما، و إن نفخ الشيطان في منخريك فهو أمر أراد اللّه نزعه عنك و إخراجه إلى من هو أكمل به منك؛ و لعمري إنها النصيحة فإن تقبلها فمثلها قبل، و إن تردّها علي اقتطعتها دونك و أنا الحجاج.
الحجاج و الوليد و أم البنين:
قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك، فدخل عليه و عليه درع و عمامة سوداء و قوس عربية، و كنانة [٣] ؛ فبعثت إليه أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك و أنت في غلالة [٤] ؟فبعث إليها: هذا الحجاج بن
[١] لم تستشف: لم تستوعب.
[٢] الخسف: الظلم.
[٣] الكنانة: جعبة صغيرة من أدم للنبل.
[٤] الغلالة: ثوب رقيق يلبس تحت الدّثار.